تقييم ما يجري بين إسرائيل وإيران

0

إن ما يجري هو لصالح العرب، رغم أننا متمسكون باعتقادنا إن كل ما كان يجري في العقود الأخيرة بين إسرائيل والغرب من جهة وبين صنيعتهم إيران الملالي من جهة أخرى هي مسرحيات.

ولكن الذي يجري بينهما مؤخراً بات يختلف عمّا مضى، وعمّا كان يجري سابقاً.

 إن كلّ أسباب وأهداف إنشاء وتصنيع إيران الملالي هي متطلبات الصراع الدولي بتوابعه الإقليمية، وإنشاء التوازنات التي تخدم هذا الصراع، الذي كان محتدماً أيام ما عرف بالحرب الباردة.

ولقد انتهت الحرب الباردة بتفكيك الإتحاد السوفياتي، فأصبحت إيران في جعبة الغرب ومن أدواتهم دون منازع.

ولكن في السنوات الأخيرة، انزلقت روسيا إلى وادي أحلام عودتها قوية، وأن تصبح قطباً عالمياً ثانياً بشكل فعلي، وكان هذا أبرز الأسباب لاندلاع الصراع الدولي في أوكرانيا.

بعد البدء بحرب أوكرانيا ووقوع روسيا في مستنقعها ضعيفةً اضطرت روسيا إلى سعيها لإنشاء تحالفات حقيقية وفعّالة مهما كان الثمن، فتدحرجت روسيا وزحفت جنوباً نحو إيران، كما إن إيران انبهرت بأضواء الحرب، وفكّرت بشكل جدي وسريع باستغلال الحرب لزيادة مكتسباتها، وتعديل وتمكين تموضعها، وقد اختارت مخطئةً أن تستغّل حاجة روسيا وتتحالف معها وتساعدها، وبالطبع سيكون هذا مقابل الخروج من تحت المظلة الغربية (الأمريكية).

وعند هذا التطور المستنكٓر والانحراف الإيراني (بنظر الأمريكان والأوربيين) قرّر الأمريكان توجيه ضربة واحدة إلى هدفين معاً أي تحجيم روسيا وإضعافها، من خلال تدمير أو إضعاف حليفها الجنوبي وهو إيران وأتباعها،

تم اتخاذ قرار بتدمير وتفكيك إيران وأذنابها، وتمّ تكليف أداة الغرب ورأس حربتهم في المنطقة وهي اسرائيل، تمّ تكليفها بتنفيذ عمليات إضعاف إيران.

 نعم لقد تقرّر تحجيم وإضعاف إيران، وتفكيك وإنهاء سلسلة أتباعها، وذلك بسبب ما تقدّم ذكره ومضافاً إليه أسباب وعوامل أخرى، وتتلخص بفقدان مشروع إيران الملالي لجدوى الاستمرار، باعتماده بعد ان وصل تشغيله واستغلاله إلى درجة الإشباع، لأن مشروع إيران الملالي يعتمد على فكرة (الخلاف المذهبي والديني) بين المسلمين – أي السنّة – وبين الشيعة، وقد انكشفت هذه الخديعة خاصة باندلاع ثورات الربيع العربي وعلى الأخص الثورة السورية.

وبذلك بدأ الغرب يبحث عن إيجاد بديل لإيران الملالي، لكي يُتمّ إعادة تصميم وتشكيل توازن القوى في الشرق الأوسط،

 ونتيجة لكل ما تراكم من أحداث وتطورات، فقد اضطر الغرب واسرائيل إلى إيقاف مسرحية الممانعة والمقاومة التي ظلت إيران الخمينية تلعب بطولتها.

والآن ما هو التقييم والتقدير لما يجري بين اسرائيل وإيران؟

الجواب: إن ما يجري هو حرب حقيقية موصوفة مكتملة الأركان مضموناً، وإذا كانت منقوصة شكلاً فإن ذلك لعدم التكافؤ وعدم قدرة إيران للقيام بنشاط طرف حقيقي آخر في الحرب يعطيها شكلاً مقنعاً.

ولكن حتى لو اعتبرنا إنها مسرحية، أو متفق عليها، فبلا شك إن المسرحية قد اختلفت نصوصها، وتمّ استبدالها وتحويلها من كلام وبآثار معنوية وخلبية إلى أفعال وبآثار فيزيائية ومادية حقيقية.

إن هناك آثار حقيقية بليغة وقعت على إيران، وهناك خسائر فادحة مادية وبشرية تكبدت بها، الحرب لم تنته حتى الآن وقد تستمر بوتيرة مدروسة وتحت السيطرة وسوف تتواصل وتتزايد نتيجة لها خسائر إيران.

نحن الآن أمام خيارين ودون العناء في التحليل والدراسة لتحديد الأرجح منهما:

1- الاحتمال الأول أن تبقى إيران الملالي بشكلها وفلسفتها وقيادتها، ولكن رغم ذلك فإن إيران قد انكشفت تماماً، وظهر عمق ضعفها وهشاشة هيكلها، ولقد فقدت ورقة التهديد بالسلاح النووي كما فقدت ورقة التهديد بأضحوكة (مقذوفات وصواريخ أرض-أرض) وكذلك أهروجة المسيّرات.

لقد تكلّفت إيران طوال عقود مليارات الدولارات لبناء هذه القلاع والأبراج وقواعد إطلاق الصواريخ الكرتونية، وهذه البوارج والغواصات الورقية، وقد تكبّدت الآن خسائر مادية فادحة، وخرجت إيران من حلبات المنافسة والمزاحمة والنزاع، وأصبحت خارج معادلة الصراع.

2- الاحتمال الثاني أن يتمّ نسف وتقويض وإنهاء النظام الإيراني الحالي واستبداله، ولكن حتى لو تمّ استبدال نظام الملالي الحالي بنظام مختلف وديمقراطي وعلماني وتكنوقراطي، فإن أي حكومة جديدة سوف تحتاج إلى عقدين على أقل تقدير لكي تتمكن من إعادة إيران إلى مصاف وخانة الدول الطبيعية، أي أن إيران سوف تبقى ضعيفة.

وأخيراً: ماذا سينتج عمّا يجري وكيف ستصبح التوازنات ومعادلة الصراع؟ وما هو تأثير ذلك على العرب؟ وهل مايجري هو لصالح العرب أم هو ضدهم؟ أم أنه لاجديد ولا أثر يُذكر؟؟؟

الجواب: إن ما قد حصل وما يحصل وما جرى وما يجري هو لصالح العرب ويفيدهم، كيف ولماذا؟؟

أولاً: لأن إيران وحلفها الشيعي قد خسروا حربهم الدعائية الكاذبة في ميادين (أكذوبة المقاومة والممانعة) ولقد انكفأ وتعثّر النشاط التوسعي والتبشيري التشييعي لإيران والذي هو ذريعة ووسيلة للمدّ الفارسي.

ثانياً: لأن ما يجري قد أخرج إيران من معادلة الصراع، وقد كشف ضعفها وأزال رهبتها وقوض هيكلها الذي تم تضخيمه إعلامياً

ثالثاً: والأمر، والجانب الأهم أنه تمّ تدمير وانهيار ماكينة وآلية توازن القوى المعادي في الشرق الأوسط، والذي صمّمه ووضعه الأمريكان في ثمانينيات القرن الماضي، والذي خلاصته طريقة ما يُعرف بـ (فكّي الكمّاشة) والتي فكّاها هما إسرائيل وإيران لكي تضغط وتعض على العرب بطرفيها.

والآن وبعد ما جرى وما يجري، لقد تعطّل الطرف الإيراني ولم يعد صالحاً لتنفيذ الضغط، وبالتالي فإن العرب أصبحوا أمام عدوٍ واحدٍ.

وقد يقال إذا كان هذا صحيحاً فلماذا وكيف يقوم الغرب ورأس حربتهم اسرائيل بإخراج إيران من هيكل وماكينة التوازن في المنطقة؟؟

الجواب: لقد قلنا بداية إن الغرب بعد انهيار صيغ التوافق الدولي والتنافر التام في المصالح، وانفجار هذا التوافق وتحوّله إلى صراع مركزه في أوكرانيا وعلى أبواب أوربا، بعد هذا، فقد اضطر الغرب بقيادة الأمريكان إلى تحجيم وإضعاف إيران.

وللذين سوف يتساءلون ويبحثون ويمحّصون الرأي ويجيلون النظر نقول: نعم إن الأمريكان لم يفكروا بتحجيم إيران وإنهاء دورها وإيقاف تكليفها إلا بعد التفكير بإيجاد البديل عن إيران، وصحيح إن معمعة الصراع الدولي قد أخّرت وجمّدت صناعة البديل، ولكن نحن نرى بل نرجّح أن الأمريكان سوف يواصلون البحث والعمل لإيجاد وانشاء البديل عن إيران.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني