
سألته مقاطعاً فلم يبدِ انزعاجاً، وافترت شفتاه عن ابتسامة تفصح عن سعة صدر، وأجاب:
كنت – في أيامي الأولى – طبيباً متمرّناً بعد التخرج في الجامعة، أرنو أن أتخصّص في جراحة جهاز الهضم؛ حين رنّ جرس الإنذار في ردهات المشفى، وانطلقت سيّارات الإسعاف. تساءلنا…؟ قيل عمارة جديدة قيد الإنشاء انهارت لسوء التنفيذ، والعمال يصبّون خرسانة الطابق الرابع أو الخامس، وتجنّدنا لما سيأتي…
استدعينا ـ نحن الحديثين ـ إلى قسم الإسعاف.. حالة طارئة.. تراكضنا ـ أطباء وممرضين ـ المسعفون منهمكون بنقل الجرحى والمصابين.. شباب بثياب العمل ينزفون.. بعضهم مغمى عليهم.. وأكثرهم يشكون من الكسور فيُنقلون إلى جناح العظميّة. يرأس مجموعتنا نطاسي بارع.. هادئ ورزين.. جسور.. متمرس من سنوات، وله يدان قُدّتا من ذهب، ووجه يطفح بشراً. خاض حربين مع الجيش، وعالج خلالهما كثيرين.. أخذ يكشف عليهم بالترتيب.. أحدهم رجله مهشّمة، والدّم ينزف غزيراً.. بدت الأمور حرجة.. أمرني أن أتعامل مع النزيف، وانتقل لغيره الأقل خطورة.. سألته: وضعه صعب؟ هوّن عليك.. سنتفرّغ له…، قد يموت يا دكتور؟ اطمئن سيكون بخير…
لم أشاهد، أو أتعرّض لمثل حالته أثناء دراستي، ومضطراً واجهتها بكلّ قوتي وخبرتي المتواضعة، فأنا مازلت غرّاً…، ولا أملك استعداداً كافياً للتعامل معها ومعالجتها، حاولت جاهداً أن أوقف تدفق الدم فلم ينقطع نهائياً.. أعطيته ثلاثة أكياس مما تبرّع به الغيارى.. غذّيته بها حتى جاء دوره. أدخلناه إلى غرفة العمليات جثّة تتنفّس، والنبض ضعيف. كشفنا عن ساق حيث تمزّق الجلد، وتهتكت أنسجة اللحم، وعن عظام غدت شظايا…، قال: هيّا ساعدني، وأمسك المشرط، وأزال ما يعوقه، وراح ينظّف الجرح مما تخثّر، وعلق به من أتربة، كان يعمل بهدوء وتأنٍّ.. أتصبب عرقاً ويداي ترتجفان وأنا أناوله ما يطلب من معدات.. نظر إليّ كأنما يعاتبني.. تشجّع.. نحن الآن في معركة.. نواجه عدواً.. لن نستسلم له.. وشرع يجمّع ما تفرّق…، ويرصفها رصفاً كفنان يشكّل لوحة. يستخدم الأسلاك المعدنية فيلصقها ببعضها قطعة قطعة، ويثبّتها في وضعية مناسبة حتى انتهى… وضمدناها. وبعد سبع ساعات من العمل المضني تنفسنا الصعداء.. التقت عيوننا.. غمزني.. وربّت على كتفي كأب حانٍ وهو يبتسم: أحسنتَ.. إنّها تجربتك الأولى، وقد نجحتَ… هل أعجبك…؟
في تلك اللحظة… غيّرتُ قراري…