تبرعات بالدولار وتراجع بالليرة.. كيف ولماذا؟؟

0

إن حملات تبرعاتٍ رسمية ومنظمة وناجحة مثل هذه الحملات التي تَلاحَقَ تنظيمها في سورية والتي بلغت حصيلتها حسب الإعلام الرسمي مئات ملايين الدولارات، كان من المفروض منطقيّاً وحسابياً وماليّاً واعتياديّاً نتيجة لها أن يرتفع سعر تصريف الليرة السورية ارتفاعاً ملحوظاً،

فلماذا لم يطرأ أي تحسّن في سعر الليرة، بل لماذا حدث تراجع؟؟

وما يزيد هذا التساؤل إلحاحاً هو أنه فقط من الناحية الإعلامية والدعائية ومن الآثار المعنوية كان ذلك كافياً لكي يرتفع سعر الليرة، ولكنه لم يحدث، فلماذا؟ وما الذي يمكن أن يفسّر هذا التناقض؟ الجواب:

إذا حاولنا تفسير وتعليل التراجع في سعر الليرة ولأن هذا الموضوع هو صلب الاقتصاد ومؤشره الحاسم ولأننا نحاول التفصيل الكافي فإننا سوف نقسم التحليل إلى جانبين:

الجانب الأول:

وهو تفسير عدم ارتفاع سعر الليرة وعدم تأثرّها الإيجابي بحملات التبرع وريعها وحصيلتها، فنقول:

أولاً: لأن الأرقام والمبالغ التي تم الإعلان عن الوصول إليها في حملات التبرع هي في الواقع لم تصل جميعها فعلاً ولم يتم تسليمها نقداً وأصولاً إلى الحكومة السورية، بل إن معظم التبرعات والمبالغ التي تم التصريح عن التبرع بها هي حتى الآن مجرّد تصريحات وتعهّدات بالتبرع بها، وهناك فرق فعلي وعملي بين الدفع والتسليم وبين التعهد بذلك

ثانياً: لأن ما تم جمعه فعليّاً من الأموال لم يصل إلى البنك المركزي أو الوطني والمنظومة البنكيّة والمالية في سورية – والتي يُفترض ويجب أن تكون هيكلاً ونظاماً مالياً علميّاً وصحيحاً – وذلك لكي يتم بعد ذلك توظيف هذه الأموال في عمليّات التمويل والتصريف والتحويل ودعم الاستيراد، فيظهر أثرها الإيجابي.

ثالثاً: لأن الجماهير المتحمّسة والمتفاعلة من الشعب السوري لم تعد تمتلك المزيد من الفائض والمدخرات لكي تتحرك بها في أسواق التصريف مقبِلةً على شراء الليرة بسبب المراهنة عليها وعلى ارتفاع سعرها متأثرة بالدعاية والإعلام وبالانطباع المريح والمطمئِن بسبب هذه الحملات الناجحة.

الجانب الثاني: وهو تفسير التراجع المتسارع والملحوظ في سعر الليرة السورية ولقد كان مُلفتاً استمرار التراجع مع قيام هذه الحملات ومع بعض الأحاديث عن دعم خارجي، ولتفسير ذلك فإننا نقول إن ذلك:

أولاً: بسبب عدم وجود ماكينة اقتصاد ونظام اقتصادي أصلاً، لكي نتحدث عن عجلة الاقتصاد والدورة الاقتصادية حيث أنه لا يوجد استثمارات ولا أسواق ماليّة وبورصة لكي تستشعر وتتحسس بدقة أيّ مستجدٍّ في ميدان الاقتصاد والتنمية، ولا يوجد صناعات وزراعة حقيقية بالمفهوم الاقتصادي لكي يكون لدينا ناتج محلّي وفائض إنتاج وتصدير واستيراد وميزان تجاري لكي يعكس كلُّ هذا واقع الليرة وقوتها الشرائية،

ثانياً: بسبب بقاء تركات النظام السوري البائد و(مزرعته) الفاشلة واستمرار عدم الثقة بالدولة وبمؤسساتها وخاصة المؤسسات المالية والبنكية والاقتصادية وقد عكس ذلك بشكل مباشر:

1- عدم إقبال السوريين في الداخل والخارج على إيداع أموالهم ومدخراتهم في البنوك السورية.

2- عدم تشجّع السوريين في الخارج – وخاصة من الفئات المقتدرة – عدم تشجعهم على العودة بمدخراتهم وبأموالهم وعدم إقبالهم على الاستثمار في البلاد بل عدم قيامهم بإعمار بيوتهم وعقاراتهم وذلك لأسباب عديدة ومتشعبة ومن بينها عدم استتباب الأمن العام وترشّح البلاد للدخول في صراعات داخلية أو حروب.

ثالثاً: لأن الازدياد السكاني الطبيعي للشعب السوري إضافة إلى عودة مئات آلاف بل ملايين السوريين من الخارج، إن ذلك يتطلب بشكل يوميٍّ ودائم إشباع السوق الداخلية وتأمينها بالموادّ الاستهلاكية الأساسيّة مثل الطحين والزيوت والسكر والأرز وغيرها ماعدا السيارات والماكينات والدواء.. إلخ، وإن كل ذلك يتم استيراده بالعملات الصعبة وإن ذلك يتم دون إيضاح وتحديد ما يقابل ذلك من مصادر الدخل والواردات للحكومة من العملات الاجنبية، إن ذلك لا شك يسبب التآكل بسعر وقيمة الليرة.

ونختم بالقول:

لقد حاولنا الإشارة إلى الثغرات والنقاط السلبية التي نراها تعيق مسار الاقتصاد وتخفض من سعر العملة الوطنية وإننا نأمل أن يقوم المسؤولون بالنظر والبحث وتحديد مكامن الخطأ وتداركها ومعالجة الثغرات الحاصلة وتلافي حصول غيرها.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني