بعد الفيتو الروسي – الصيني… F35 الأمريكية على المحك في سماء إيران

0 48

في لحظة دولية فارقة، تتداخل فيها خطوط النار مع مسارات الدبلوماسية، تبدو المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وبين إيران من جهة ثانية وكأنها تجاوزت كونها صراعاً إقليمياً محدوداً، لتتحول إلى اختبار حقيقي لطبيعة النظام الدولي في مرحلته الانتقالية.

فبعد أن تشكل مشهد سياسي غاية في التعقيد في مجلس الأمن الدولي، حيث لم تعد واشنطن قادرة على فرض إرادتها كما كان الحال في مراحل سابقة، تسارعت الأحداث في الميدان من ضربات متبادلة إلى تقارير عن إسقاط طائرات أمريكية متقدمة.

وهذا يدلل على أن مستوى المواجهة لايزال مستمرا في خطه البياني التصاعدي.

لقد شكّل التعثر الذي واجهه مشروع القرار المتعلق بتأمين الملاحة في مضيق هرمز مؤشراً بالغ الدلالة على هذا التحول. فالموقف الحازم لكل من روسيا والصين، الرافض لمنح غطاء دولي لاستخدام القوة، لم يكن مجرد اعتراض إجرائي، بل رسالة استراتيجية واضحة مفادها أن أدوات الشرعية الدولية لم تعد متاحة للاستخدام الأحادي.

هذا الفيتو المزدوج، في توقيته وسياقه، عكس إرادة صريحة في كبح الاندفاعة الأمريكية، ومنع تحويل الأزمة إلى سابقة تُسير إلى التدخل العسكري تحت عناوين أمن الملاحة.

وفي الوقت ذاته، برز موقف فرنسا بوصفه عاملاً مكملاً لحالة الانقسام الغربي، حيث لم تنخرط باريس في دعم غير مشروط للطرح الأمريكي، بل أبدت تحفظات واضحة على صيغة القرار، ودعت إلى مقاربة أكثر توازناً تأخذ بعين الاعتبار مخاطر التصعيد.

ولا يمكن قراءة الموقف الفرنسي المتحفظ بمعزل عن السياق الأوسع للعلاقات عبر الأطلسي، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة توترات ملحوظة، خاصة في ظل الخطاب السياسي الذي تبنّته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه الحلفاء الأوروبيين.

فقد تكررت التصريحات التي وصفت القادة الأوروبيين بالضعف، وطرحت تساؤلات حول جدوى التحالفات التقليدية، وهو ما ترك أثراً عميقاً في بنية الثقة بين ضفتي الأطلسي.

وفي هذا الإطار، لا تبدو مواقف فرنسا ومن ورائها جزء من أوروبا مجرد اختلاف تكتيكي حول ملف محدد، بل تعبيراً عن نزعة متزايدة نحو الاستقلال النسبي في القرار الاستراتيجي، وتجنب الانخراط التلقائي في مغامرات عسكرية لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الأوروبية المباشرة.

أما ما يُتداول إعلامياً من سجالات شخصية أو مواقف بروتوكولية بين ترامب وماكرون، فلا يمكن اعتباره عاملاً حاسماً في رسم السياسات، لكنه يعكس مناخاً عاماً من التوتر السياسي يُضاف إلى جملة العوامل التي تدفع العواصم الأوروبية إلى إعادة تقييم موقعها ضمن التحالف الغربي وحدود التناغم مع السياسات الأمريكية في الأزمات الدولية.

على الأرض، لم تسر الأمور وفق السيناريوهات التي رُسمت في بداية المواجهة.

فالحرب التي كان يُراد لها أن تكون سريعة وحاسمة، تحولت إلى نمط من الصراع المفتوح، حيث تتراجع فاعلية الضربات الحاسمة لصالح منطق الاستنزاف المتبادل.

ورغم التفوق العسكري الواضح الذي تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إلا أن القدرة على تحقيق نصر نهائي ومحدد تبدو محدودة في ظل طبيعة الخصم، وتكتيكاته، وعمقه الجغرافي والسياسي.

إن أحد أبرز العوامل التي تفسر هذا التعثر يتمثل في الاختلاف الجوهري بين الأطراف في تعريف الربح والخسارة.

 ففي الأنظمة الديمقراطية، تُقاس الحروب بمعايير دقيقة تشمل الكلفة البشرية والاقتصادية، وتأثير العمليات على الرأي العام، وقدرة القيادة السياسية على تبرير استمرار القتال.

وبذلك، فإن أي حرب طويلة أو مكلفة تتحول تدريجياً إلى عبء داخلي، حتى لو لم تُهزم عسكرياً.

في المقابل، تعتمد إيران نموذجاً مختلفاً، يقوم على عقيدة أيديولوجية ترى في الصمود بحد ذاته شكلاً من أشكال الانتصار.

فالنظام الإيراني، المستند إلى مفهوم “المقاومة المستمرة”، لا يقيّم الحرب فقط بنتائجها الميدانية المباشرة، بل بقدرته على البقاء، واستمرار بنيته السياسية، والحفاظ على تماسكه الداخلي.

وفي هذا الإطار، تتحول الخسائر على قسوتها إلى عنصر ضمن سردية أوسع تُعيد إنتاج الشرعية، وتعزز القدرة على الاستمرار.

هذا التباين في المنهجية يخلق فجوة عميقة في إدارة الصراع.

فبينما تسعى واشنطن إلى حسم سريع لتقليل الكلفة، تعمل طهران على إطالة أمد المواجهة، مدركة أن الزمن، في مثل هذه الحروب، يمكن أن يتحول إلى عامل حاسم بحد ذاته.

وهنا تتجلى معادلة معروفة في أدبيات الصراعات غير المتكافئة: الطرف الذي يستطيع تحمّل الكلفة لفترة أطول، يملك فرصة أكبر لإعادة تشكيل النتائج.

إن التقارير المتداولة حول إسقاط طائرات متقدمة، سواء ثبتت جميع تفاصيلها أم بقيت محل جدل، تكتسب أهميتها من بعدها الرمزي بقدر ما لها من قيمة عسكرية.

فهذه الأحداث، في حال تأكدت، تمس بصورة مباشرة صورة التفوق التكنولوجي الذي بنت عليه الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من استراتيجيتها الردعية.

وحتى في حال عدم التأكد الكامل، فإن مجرد تداول هذه الروايات يسهم في خلق بيئة نفسية وسياسية تضغط على صانع القرار، وتُضعف من تأثير التفوق النظري.

في هذا السياق، يمكن قراءة التحرك الروسي – الصيني ليس فقط كدعم لإيران، بل كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة ضبط التوازن الدولي.

 فالصين، التي تخوض منافسة استراتيجية طويلة مع الولايات المتحدة، ترى في استنزاف القوة الأمريكية خارج حدودها فرصة لتعزيز موقعها دون الدخول في مواجهة مباشرة.

أما روسيا، فهي معنية بإثبات أن النظام الدولي لم يعد أحادي القطبية، وأن الغرب لم يعد قادراً على فرض إرادته دون تكلفة.

وفي حال انتهت هذه المواجهة دون تحقيق الأهداف الأمريكية – الإسرائيلية، أو بالعودة إلى طاولة التفاوض مع بقاء النظام الإيراني، فإن ذلك سيُعد تحولاً استراتيجياً ذا أبعاد تتجاوز المنطقة.

فالحروب لا تُقاس فقط بما يُدمَّر فيها، بل بما تُنتجه من معادلات جديدة.

وإذا كانت النتيجة هي عجز القوة العسكرية عن فرض تغيير جذري، فإن ذلك سيعزز منطق التعددية القطبية، ويُضعف من فعالية “القوة الصلبة” كأداة وحيدة للحسم.

هنا تبرز أهمية المقولة التي تختصر جوهر هذه المرحلة: “الضربة التي لا تقصم الظهر تقوّيه”. فإذا تمكنت إيران من تجاوز هذه المواجهة دون انهيار، فإنها ستخرج منها أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على إعادة بناء قدراتها، مستفيدة من خبرة المواجهة، ومن شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية.

وفي المقابل، ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام واقع يفرض إعادة تقييم حدود قوتها، وأدوات تأثيرها، في عالم لم يعد يستجيب بسهولة لمنطق الهيمنة.

أما إسرائيل، التي راهنت على تحقيق تغيير جذري في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، فقد تجد نفسها أمام نتيجة معاكسة، حيث تتزايد التحديات، وتتسع دوائر التوتر، دون تحقيق الحسم المنشود.

وهذا ما يعيد طرح سؤال جوهري حول حدود القوة العسكرية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز الغياب العربي كأحد أبرز ملامح المشهد.

فالعالم العربي، رغم كونه الساحة المباشرة لهذه التفاعلات، لا يزال بعيداً عن موقع التأثير الفعلي، في ظل تباين المواقف، وغياب رؤية استراتيجية موحدة.

وهذا الغياب لا يعني فقط فقدان القدرة على التأثير، بل يفتح المجال أمام القوى الدولية والإقليمية لإعادة رسم ملامح المنطقة وفقاً لمصالحها.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية في تشكل نظام دولي جديد.

 وبين الفيتو في مجلس الأمن، والتعثر في الميدان، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: تراجع القدرة على الحسم، وصعود منطق التوازن، حيث لم تعد القوة وحدها كافية، ولم يعد الصراع يُحسم بضربة واحدة، بل بإرادة أطول، ونَفَس أعمق، وقدرة أكبر على تحمّل كلفة المواجهة.

وفي هذا الإطار، قد لا يكون السؤال الأهم هو من انتصر عسكرياً، بل من استطاع أن يفرض شروطه السياسية في نهاية المطاف.

وإذا كانت المؤشرات الحالية تعكس تعثراً في تحقيق الأهداف المعلنة، فإن ذلك يعني أن العالم يقف بالفعل على أعتاب مرحلة جديدة، تُعاد فيها صياغة معادلات القوة، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل على مستوى النظام الدولي ككل.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني