بسبب العدوانية الإسرائيلية والغموض السلبي الأميركي… الطريق من دمشق إلى موسكو سالكة

0

تَنبع أهميّة سوريا من موقعها الجيوسياسي أكثر من امتلاكها للموارد الطبيعية أو التراث الديني والثقافي، فهي فقيرة بأماكن المقدّسات الدينية والأوابد التاريخية. ويُسمّي بعضهم هذا الموقع بـ”لعنة الجغرافيا”، وقد يكون ذلك سرّ الصراع الدولي في سوريا وعليها. ونعلم جميعاً أنه لولا ذلك، لسقط نظام الأسد في الأشهر الأولى من الثورة السورية، وبسبب تلك العوامل الدولية تأخر انتصار الثورة السورية لتلك الأعوام الطويلة والقاسية، ودُفعت أثمان باهظة للحصول على هذه النتيجة.

ومن المُسلَّم به أنّ التدخّل العسكري الروسي في أيلول 2015 حظي بمباركة الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، للحيلولة دون سقوط الأسد بعد استنفاد كل الوسائل لإبقائه في دمشق، مع إدراك الجميع أنّ روسيا قوة عظمى لا يرغب أحد بمجاورتها أو إدخالها إلى ساحته، لأنها صاحبة مشروع، ولا يمكن استخدامها كأداة لتحقيق أغراض دولٍ أخرى.

ولا يخفى على أحد أنّ الروس استغلوا حاجة الأطراف المتصارعة لهم في سوريا لترسيخ أقدامهم فيها، وارتكبوا المجازر لتثبيت حكم الأسد، وفي النهاية فشلوا في ذلك. وأصبحت خشيتهم على وجودهم في سوريا كبيرة بعد سقوط الأسد، حيث تُشكّل قواعدهم في سوريا نقاط ارتكاز قوية لنفوذهم المتصاعد في أفريقيا، ولخدمة أسطولهم البحري في المياه الدافئة.

كان واضحاً أنّ القيادة السورية ترغب في علاقات خارجية متوازنة مع الجميع، بشرط أن تُحقّق استقلاليتها في قراراتها وخياراتها، وقد أعربت عن رغبتها في عدم الانضمام إلى أيّ من المحاور في المنطقة. وقالت إنّ خيارها الرئيس هو بناء سوريا المدمّرة أرضاً وشعباً، وإنها لن تكون مستقبلاً مصدر تهديد لأحد، ولا تريد بالمقابل لأحد أن يتدخّل في شؤونها.

ولأنّ القيادة السورية أعلنت بصراحة أنّ مرحلة الثورة قد انتهت، وأنّ بناء الدولة هو الاستراتيجية الحالية، لم تتصرّف بشكل عاطفي أو شعبوي مع القواعد الروسية، التي أذاقت الشعب السوري الويلات، بل لم تطلب من الروس تفكيكها، وتركتها كورقة ضغط على الأوروبيين والأميركيين (المفترض أنهم الحلفاء الجدد لها) لموازنة مسار العلاقة مع الغرب، الذي أبدى ترحيباً باحتضان سوريا ورفع العقوبات عنها وعن قيادتها. وسارت الشهور بتقاطر الوفود الغربية إلى دمشق، والرفع (النظري) للعقوبات، وزار الرئيس الشرع فرنسا كأهم الدول الأوروبية، والتقى في الرياض مع الرئيس ترامب. ويمكن تلخيص أهمّ نقاط عدم ارتياح دمشق من الأوروبيين والأميركيين بـ:

1- التدخل المفرط في الشؤون الداخلية السورية تحت ذريعة حماية الأقليات ومشاركتها في السلطة، وربط آلية رفع العقوبات بحدوث تقدّم في هذا الملف، وهذا باختصار تدخل سافر في علاقة الحكومة بشعبها وفرض أجندات عليها.

2- رغم كلّ المرونة والإيجابية التي أبدتها دمشق تجاه موضوع حساس للغرب، وهو الانفتاح على الكيان الإسرائيلي، إلا أنّ جهوداً حقيقية لم تُبذل للجم إسرائيل عن اعتداءاتها المتكررة على السيادة السورية.

3- يتمّ بيع القيادة السورية كلاماً معسولاً عن الدولة الواحدة والجيش الواحد والحكومة الواحدة، في الوقت الذي لم يُتخذ فيه إجراء حاسم لتفكيك ميليشيات “قسد” أو ميليشيات “الهجري”، والتي تسعى لتخريب وحدة سوريا أرضاً وشعباً، بمعنى الوقوف في وجه دعوات إسرائيل المعلنة لتقسيم سوريا.

ولابد من الإشارة هنا إلى امتعاض القيادة السورية من جهود نوّاب أميركيين لتمرير قانون في مجلس النواب لتمديد قانون “قيصر” وإبقاء هذا السيف على رقاب السوريين دون وجه حق، بعد أن أعطى الرئيس ترامب أمراً تنفيذياً برفع كل العقوبات، وبالتأكيد فإنّ تمديد هذا القانون يتمّ بضغط من اللوبي الإسرائيلي في واشنطن.

أما الملفات الواجب بحثها بين الحكومة السورية والروسية فهي عديدة وشائكة، ومنها:

1- الملف الأمني:

لروسيا أصدقاء كُثر من فلول نظام الأسد، وإلى جانب إيران لا يوجد أحد مستعدّ لدعمهم. وقد اعترف مؤخراً محمد جابر، المقيم في روسيا والحاصل على جنسيتها، والذي كان أحد قادة ميليشيا الشبيحة الداعمة للأسد، بأنه كان العقل المدبّر لتمرد فلول النظام في آذار الماضي، وأنه كان المموّل أيضاً.

وفي الحقيقة، يوجد تعويل كبير من فلول الأسد على دعم روسي لهم، خاصة أنّ لروسيا مرتكزات على الأرض في الساحل والشمال الشرقي. كما أنّ ميليشيا “قسد” تُعوّل على دعم روسي في ظلّ رغبة أو قرار غربي بتفكيكها، ولا يجب الاستهانة بالقدرات الروسية في زعزعة استقرار سوريا الوليدة، لذلك فإنّ تحييد هذه المخاطر هو الحلّ الأمثل في مثل هذه الحالة.

يوجد أيضاً ملفّ المخلوع بشار الأسد، ويجب إبقاء المطالبة بتسليمه للقضاء السوري، حيث تنظر الحكومة السورية لهذا الملف بأنه قانوني، فيما تراه موسكو ملفاً إنسانياً. وقد أشار الوزير الشيباني إلى ذلك حين تحدث عن أهمية مسار العدالة الانتقالية الذي تعمل عليه الحكومة السورية.

2- الملف الاقتصادي:

أقدم النظام المخلوع على بيع سوريا أو رهن ثرواتها إلى روسيا وإيران، وكانت كل الاتفاقيات مجحفة بحق الدولة السورية. وقد جرى الاتفاق في الزيارة الأخيرة على تشكيل لجان متعددة لإزالة العقبات أمام بناء علاقة سليمة بين الدولتين. من بين هذه اللجان التقنية، لجنة لإعادة تقييم كل الاتفاقيات الموقعة وإلغاء بعضها بالتوافق، حيث إنّ القانون الدولي ليس إلى جانب سوريا إذا أرادت إلغاء أيّ اتفاقية من طرف واحد، لأنّ حكومة العهد البائد كانت قانونياً شرعية عند توقيع الاتفاقيات، وفق المعايير الدولية.

3- الملف السياسي:

روسيا دولة عظمى، واعترافها بشرعية التغيير الذي حصل في سوريا مهمّ جداً لترسيخ الشرعية الخارجية التي حصل عليها العهد الجديد، بحيث يمكن القول إنّ الشرق والغرب اعترفا بالعهد السوري الجديد. كما أنّ عدم استخدام الروس لحقّ الفيتو في مجلس الأمن ضروري لإزالة التصنيفات والعقوبات الأممية الموضوعة على سوريا وقادتها الجدد.

نّ فتح وتطوير علاقات مع بكين وموسكو يخدم توجّهات القيادة الجديدة في بناء علاقات متوازنة مع الغرب والشرق، وبالتالي عدم الانحياز لطرف ضدّ آخر.

4- الملف العسكري:

وهو ملفّ مهم جداً، وقد كان في عداد الوفد اللواء مرهف أبو قصرة، وزير الدفاع، حيث التقى بنظيره الروسي. وكانت سوريا منذ استقلالها تعتمد على السلاح السوفييتي والشرقي عموماً، وكذلك تدريب ضباطها وعقيدتهم الخططية الحربية كانت شرقية، وبالتالي فإنّ الاعتماد على سلاح روسي في عملية تسليح الجيش السوري، إلى جانب تسليح تركي وآخر غربي، يُفضي بسوريا إلى عدم الاعتماد على مصدر وحيد للسلاح.

تستبيح إسرائيل السيادة السورية لأتفه الأسباب، أرضاً وجواً، وتستغل غياب وسائط للدفاع الجوي تردعها. لذلك فإنّ اتفاقاً مؤقتاً بين البلدين، لمساهمة الصواريخ الروسية الموجودة في سوريا من طراز S400، قد يُشكّل رادعاً أمام سلاح الطيران الإسرائيلي، ريثما يتم بناء شبكة دفاع جوي سورية تتولى هذه المهام.

إنّ تعديل مهام القواعد الروسية في سوريا بعد التغيير الذي حصل أمرٌ بديهي، حيث سيُعاد النظر في كل الاتفاقيات المبرمة بشأن تلك القواعد، إذ لم يعد من مهامها التدخل في الشأن السوري.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني