انهيار المنظومة القيمية في سوريا.. هل يمكن أن يتمزق نسيج مجتمع بين ليلة وضحاها؟

0

بالنظر إلى ما آل إليه المجتمع السوري، قد يخيّل لبعضهم أنّ ما حدث لم يكن سوى نتيجة مباشرة للحرب. غير أنّ الحقيقة أعمق وأكثر إيلاماً؛ فالقيم التي تُشكّل الركيزة الأساسية لأي مجتمع لم تنهَر فجأة، بل تآكلت بصمت طويل الأمد، لتأتي الحرب فتعلن سقوطها المدوي.

بداية الخيط

لم يبدأ التدهور القيمي في سوريا مع أحداث عام 2011 كما يعتقد بعضهم، بل تعود جذوره إلى عام 1963، حين شهدت السلطة تحوّلاً جذرياً. فقد تم إقصاء النخب المدنية التقليدية، أو ما يُعرف بالبرجوازية الوطنية، لصالح نخب عسكرية وأمنية، غالبيتها جاءت من طبقات فقيرة ومهمشة، وبعضها مارست وظائف متواضعة أحياناً نتيجة الفوارق الطبقية والدينية. وقد جعلت هذه النخب من السيطرة على الحكم هدفها الأوحد، متجاوزة أي اعتبارات للقيم والمؤسسات التقليدية.

ومع مرور الوقت، تحوّلت الدولة إلى كيان أمني شامل، يفرض هيمنته على المجتمع بكل تفاصيله.

وكان لذلك ثمن باهظ: تآكلت الثقة بين الدولة والمجتمع، وتراجع الشعور بالانتماء الوطني. لم يعد الفساد حالة شاذة، بل أصبح قاعدة راسخة يُكافَأ من يتقنها، فيما غابت قيم الكفاءة والعمل الجاد لتحل محلها الولاءات الضيقة. صار الانتماء للسلطة هو جواز المرور الوحيد نحو الترقي الاجتماعي، وأصبح البطش ذاته قاعدة من قواعد الشرعية الداخلية، حيث يُنظر إليه كبرهان على الولاء في بنية الأنظمة الشمولية، ووسيلة لإثبات الجدارة في سلمها السلطوي.

في قلب العاصفة

حين اندلعت شرارة الثورة عام 2011، لم يكن المجتمع يقف على أرضية صلبة، بل كان هشّاً يتأرجح على حافة الانهيار. جاءت الحرب لتكشف هشاشة البنية الاجتماعية والمؤسساتية، وتعرّي الضوابط الأخلاقية التي بدت وكأنها من ثوابت المجتمع.

في خضم هذه العاصفة، تحولت ملايين العائلات إلى لاجئين ونازحين، وتغيرت ملامح المدن والقرى. في ظل العنف اليومي، أصبح البقاء على قيد الحياة أولوية قصوى، أحياناً على حساب الآخر.

سلوكيات غير مألوفة برزت في مواجهة قسوة الظروف: من سرقة حاجات بسيطة لتأمين الغذاء، إلى صراعات على كسرة خبز في السجون والمعتقلات، حيث تتحكم غريزة البقاء في كل فعل ويُسقَط القناع عن كل قيمة. لقد ولّدت هذه البيئة حالة من التوحش الفردي والمجتمعي غير مسبوقة، لم تكن ظاهرة للعيان في التاريخ السوري الحديث، إذ تحولت الحياة إلى صراع بدائي تُدار فيه العلاقات وفق منطق القوة والغلبة لا وفق قيم التضامن والتكافل.

المجتمع في مرآة التفكك

تتجلى آثار هذا الانهيار في تفاصيل الحياة اليومية. في المدن المدمَّرة، لم تعد القوى العسكرية رمزاً للأمن، بل وسيلة للنهب والسيطرة. وفي الأحياء الفقيرة، تراجعت قيم التضامن التقليدية، لتحل محلها نزعة فردية حادّة تغذّي الانقسام.

حتى الأسرة، التي كانت تُعَدّ الملاذ الأخير، لم تسلم من التفكك. تراجعت الثقة بين الأقارب والأشقاء، وانتشرت أنماط من العنف والفوضى لم تكن مألوفة من قبل. إنها صدمة اجتماعية عميقة، أضعفت البوصلة الأخلاقية لدى الأفراد وأربكت قدرتهم على التمييز بين الحق والباطل.

الطريق إلى الأمام

يبقى السؤال: هل يمكن إصلاح ما تهدّم؟

إنّ الطريق طويل ومعقّد، لكن التجارب الإنسانية تُثبت أن البداية تكون دائماً من إعادة الاعتبار للقيم.

يتطلب ذلك إصلاح التعليم ليكون أداة لغرس المواطنة، لا مجرد وسيلة لنقل العلوم. كما يتطلب استعادة الثقة المفقودة، عبر مبادرات مجتمعية محلية تُعيد بناء الجسور بين الأفراد.

لا يمكن للقيم أن تزدهر في بيئة يسودها الفقر واليأس. لذا فإن إعادة البناء القيمي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بإعادة إعمار الاقتصاد، وإحياء الطبقة الوسطى التي كانت تاريخياً العمود الفقري للمجتمع السوري.

في نهاية المطاف، لن ينهض المجتمع إلا عبر مشروع طويل وصعب لإعادة بناء ما تحطم، لا في الحجر وحده، بل في النفوس والعقول أيضاً.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني