
جمهرة أثارت تساؤلي.. لِمَ تتجمّع أمام العمارة؟ دقّ القلب.. وصلت فبادرني جارنا: البقيّة بحياتك يا ولدي.. كلّنا مغادرون يوماً… كلماته أفزعتني.. ماذا تقول يا عمّاه؟ ما الذي جرى؟ سائق أرعن، يقود سيارة مسرعة دهست أباك هنا على الرصيف، ولاذ بالفرار دون أن يُعرف.. وحقّقت الشرطة بالموضوع، وسجّلته ضد مجهول…
وقفت وحيداً أتقبّل التعازي.. ظننتُ أن جدّيَّ سيأتيان كليهما أو أحدهما، وباء ما فكرت به بالفشل فلا يزالان غاضبين، ولم يغفرا لوالديّ ما فعلاه، وما يثير دهشتي أنهما راضيين عني أنا حفيدهما غير المنازع، فليس لهما غيري، عاطل عن العمل، ولا أملك شروى نقير لأتابع الدراسات العليا، وهما غنيّان ولديهما أموال مكدسة…
تعرّفت إلى والد أمّي مصادفة عندما أشارت، ونحن نخرج من مدرسة ابن النفيس الثانوية، ذاك أبي… اعتذرت منها، ومشيت نحوه.. وقفت أمامه.. حدّق بي.. من أنت؟
– صادق حمدان
أرهف السمع وكرر السؤال، فأجبته: صادق… حفيدك ياجدي.. وتناولت يده لأقبلها فسحبها بسرعة، وقال: ليس لي أبناء ولا أحفاد…
– أرجوك… دعني…
فابتعد.. وتركني أجتر ذاتي…
في البيت سردت والدتي الحكاية. جدّاك عاشا صديقين متآخيين منذ طفولتهما، ولما كبرا سكنا متقابلين، واتّجرا شريكين… ومنذ صغري ووالدك أحببنا بعضنا، لعبنا ودرسنا معاً حتى تخرّجنا في معهد المعلمين. اتفقنا على الزواج، ولمّا أعلنّا نيتنا رفضا قرارنا لاختلاف المعتقد… وتزوّجنا فغضبا، ومن يومها اعتبرانا شاذين وقاطعانا، ولم يفسد ما فعلناه صداقتهما…
انتهزت فرصة مناسبة، وقصدت متجرهما. كان جدّي يجلس على كرسي فوق الرصيف.. ألقيت التحية فرفع رأسه.. أنعم النظر.. أهذا أنت!؟
– نعم،… وجئتك مستغفراً…
– الأفضل أن تذهب ياولدي
– ما أتيت لأعود دون أن تسمعني، وانحنيت وقبّلت رأسه
– مَن رماك عليّ؟
– لا أحد.. ولم أخبر أيّ إنسان بما نويت فعله
وجاء الصوت من الداخل، مَن هناك يا أبا مريم؟
– إنّه حفيدك يا أبا حمدان.. تعالَ…
وخرج يلوّح بيده، ويشير إليّ أنْ ابتعد.. فتجمّدت كصنم.. اقترب.. ثمرة فجّة للخائنين الملح، ودفعني فارتميت على الأرض، وتصنّعت ألماً في رجلي ويدي. نهض جدّي عن كرسيه وحاول مساعدتي معاتباً إيّاه، على رسلك يا رجل، وقادني إلى الداخل كي لا يثير انتباه جيرانه، وأجلسني على مقعد.. ما الذي دفعك إلينا؟
– ألستم أهلي، ودمكما يجري في عروقي؟
– يا بني.. أقسمنا على نفيهما وحذفهما من حياتنا
– وأنا ما ذنبي…؟ وماذا فعلت لكما؟
– ابتسم.. ربّت على كتفي.. عد بعد غد…
لم أخلف… واستقبلاني بودّ شريطة ألّا أذكر ولديهما بخير أو شر قدامهما. وبقيت أزوهما في منزلهما وأنقل أخبارهما لأبويّ. كبرت وأنا أتنعّم بحفاوة جدّتيَّ، وبلذيذ طعامهما إلى أن مرضت جدّتي أمّ حمدان، وتُوفيت.. وبعدها بشهرين تقريباً ارتقت روح جدّي لبارئها. حاولت جاهداً أن يُسمح لوالدتي بحضور العزاء فلم أوفّق… إنها وصية المرحوم.
وانهار أبو مريم حزناً بعد أن فقد رفيق عمره، وساءت صحته، ولزم الفراش تسعة أشهر، وقبل أن يودع الحياة، ويلتحق بأخ لم تلده أمّه أوعز إلى المحامي أن ينقل أملاكه لاسم زوجه، وأن أدير المتجر بنفسي…
كان الموقف مهيباً عندما التقت أمّي بوالدتها فضمّتها إلى صدرها وبكتا بحرقة كلّ ما فات، ولمّا حضر المحامي وفتح الوصية كانت المفاجأة… لقد “باع كلّ ما يملك لأبناء أخيه…”.