الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات.. قراءة في تفجير الكنيسة في دمشق

0

أدرك حافظ الأسد منذ بدايات حكمه بعد الإطاحة برفاقه عام 1970 أهمية تحييد الدين ورجاله عن أيّ خطر عليه، بل اتّبع سياسة أكثر دهاءً في العمل على تعويم رجال دين مُدجّنين يُسبّحون بحمده ويُشيدون بكل أعماله. وبالطبع كان تركيزه الأكبر على تدجين نخبة من رجال الدين الإسلامي، لكنه لم يُغفِل اهتمامه برجالات الدين من مختلف المذاهب المسيحية، حيث قدّم نفسه كحاكم ينتمي لأقلية، وعليهم التعاون معه حتى لا يقعوا في براثن غول الأكثرية. وعمل بسياسة ممنهجة على تفريغ كل المجتمع السوري بمختلف مكوناته من كفاءاته المجتمعية، بحيث لا تُشكّل خطراً عليه، ولم يسمح ببروز زعامات اجتماعية وازنة ومرموقة لدى كل المكونات، وأبقى الزعامة الأهلية بيد طبقة من رجال الدين المرتبطين به عبر منحهم بعض الامتيازات. وكان حريصاً على المشاركة الرمزية بشكل شخصي في المناسبات الدينية الإسلامية، وإرسال من ينوب عنه في المناسبات المسيحية.

وبالنسبة للمسيحيين، كان يعلم أن حرصه على تقديم نفسه كحاكم علماني أمام الغرب، لا بد له من تطويع قادة الكنائس في سوريا، والذين لهم علاقات مع الفاتيكان أو غيره من المؤسسات أو المرجعيات الدينية الغربية. ومع أنه، في طائفته العلوية، عمل على إجهاض بروز أيّ زعامة مجتمعية أو طبقة من رجال الدين، فإنه اختصر تمثيلها كلها بشخصه أو الضباط المقربين منه.

سار بشار الأسد على نهج أبيه في تلك السياسة، وأبقى لرجال الدين امتيازاتهم.

وبانطلاق الثورة السورية، التي كان عمادها الأغلبية العربية السنية، مع انضمام أفراد من بقية المكونات، خاصةً في المرحلة الأولى من النضال السلمي، ومع استعمال النظام للعنف المفرط لقمع المنتفضين عليه، وبداية تسلّح الحاضنة المجتمعية للثورة، بدأت الاتهامات تُكال لها على أنها ثورة طائفية إسلامية من فئة محددة. وتلك كانت سردية النظام التي تخدمه أمام الداخل والخارج. فأقدم النظام على كل الأفعال والأقوال التي تخدم تلك السردية، فأحدث انشقاقات في المجتمع السوري عمودية (مؤيد ومعارض) وأفقية، بحيث ذهبت كل الأقليات، بقيادة رجال الدين فيها، إلى جانب النظام الذي كانوا يُدينون له بالولاء، وذهبت معظم الطائفة السنية العربية في الاتجاه المعاكس. وكان دعم رجال الدين للنظام واضحاً في المعركة التي تدور رحاها مع الثائرين عليه، وأقلّ أشكال الدعم هو السكوت عن المجازر، ناهيك بمحاولة تبريرها.

بالطبع، طبقة رجال الدين من الأقليات عارضت بشدة العهد السوري الجديد من أول أيامه لأسباب كثيرة، منها أنها لا ترغب في حكم الأكثرية العربية السنية، والتي بإمكانها حُكم الدولة دون الحاجة لتحالفات العهد البائد الأقلوي. وقد يكون خوفها من حقبة طويلة لتحالف عربي – تركي يُذكّرهم بالتاريخ غير السعيد لحقبة الإمبراطورية العثمانية، خاصةً أنّ لقيادة العهد الجديد وحاضنة الثورة علاقة جيدة جداً مع الأتراك، الذين ناصروا الثورة من يومها الأول إلى حين دخولها إلى دمشق منتصرة، وبروز بداية علاقة إستراتيجية بين أنقرة ودمشق، ربما تصل للحجاز.

قد يكون الإكليروس الديني نَسِيَ (أو تناسى) أنّ السنّة في التاريخ هم الأمة، وهم من صنع ذلك التاريخ المجيد، وشكّلوا الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى، وبالتالي هم بناة الدول وحفظة حقوق الأقليات التي تُخالفهم في الدين أو المذهب. ولو كان غير ذلك، لما بقي لهم وجود في هذه المنطقة، بينما يستمر التاريخ الشيعي في حاضره الآن في تقديم نموذج التمرد على الدول، بل هدمها إن تسنّى له ذلك.

ظنّ رجال الدين أنّ من وصل للسلطة في دمشق قد لا يكون أموياً يعمل على بناء الدولة، إنما فصيلاً مسلحاً لا يعرف إلا التمرّد والعصيان، ومنغلقاً على نفسه ويعيش ضمن قوقعته. ولم ينتبهوا إلى أنّ الثورة والتمرد وسيلة وليست غاية، وأنه بمجرد الوصول إلى دمشق وإسقاط الطاغية، وُضعت معاول هدم النظام البائد جانباً، والتُفت إلى بناء الدولة الجديدة. وأشار إلى ذلك الرئيس الشرع في إحدى إطلالاته الإعلامية، عندما قال: إننا الآن في مرحلة بناء الدولة لأنّ الثورة قد أدّت أغراضها وانتهت.

ظنّوا في البداية (وقد خاب ظنّهم) أنّ القيادة الجديدة تحمل بذور ضعفها في بنيتها، والتي بمجرد تعرضها للهواء ستفسد، وأنّ ما كان صالحاً ومقبولاً في إدلب (داخلياً وإقليمياً ودولياً) لن يكون كذلك في دمشق، وأنّ سيف العقوبات الدولية والجفاء الإقليمي الموجود على النظام الهالك سيتم شحذه ليكون أكثر حِدّة على رقبة النظام الجديد، ومنّوا النفس بأن يؤدي الجلّاد الدولي دوره.

وبدؤوا يتفاجؤون بأنّ نهجاً ومنهجاً دولتياً هو خطّ السير للقيادة الجديدة، وهو ما يُعبّر عنه بالأقوال والأفعال، وأنّ ذلك بدأ منذ إطلاق الرصاصة الأولى في معركة التحرير، حيث غابت بحور الدم التي خوّف النظام الساقط بها الداخل والخارج في حال تمّ إسقاطه عسكرياً، وأنّ المنتصرين لا يعرفون للانتقام سبيلاً، وقدّموا كل التطمينات اللازمة، ونفّذوا ذلك عملياً على الأرض، إلى أن ظنّ بعض رجال الدين ذلك ضعفاً وليس منهجاً، فعملوا على وضع العصي في دواليب العهد الجديد تحت دعاوى شتى، وهالهم أنّ الغرب، والأمريكان على وجه الخصوص، لا يدفعون الهواء بما يتوافق مع أشرعتهم، وأنّ حكم الأقلية مع حلف الأقليات لم يجلب لسوريا والمنطقة إلا الكوارث، وأنّ المنطقة لكي تستقر وتُؤمّن مصالحهم، لابد من دعم حكم الأغلبية الذي سيُنتج الاستقرار، وأنّ تجربة دعم الأقليات خلال المائة سنة الأخيرة كانت تجربة فاشلة. بل إنّ سايكس – بيكو كله كان خطأً تاريخياً، وهو ما جرى على لسان المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى سوريا توماس براك.

وبدأت إستراتيجية غربية حاضنة لسوريا تتجلّى في دعمها السياسي والاقتصادي للعهد الجديد. وكانت القرارات الأوروبية والأمريكية تاريخية بكل المقاييس في احتضان سوريا الجديدة، وعدم التدخل في شكل وطبيعة الحكم الذي يتوافق عليه السوريون. وبالطبع، هم أدركوا خطوات العهد الجديد وتموضعه في المنطقة، ورغبته في إنجاز تجربة سورية ناجحة وطيّ صفحة النظام المارق البائد.

ولتأليب الداخل والخارج على العهد الجديد، ورغبةً في عدم رفع العقوبات، أمعنت الجوقة الأقلوية، والتي لا تتوافق بالضرورة مع مطالب من تدّعي تمثيلهم، والراغبين في الانضواء تحت مظلة الدولة والمشاركة الإيجابية في بناء سوريا الجديدة، حيث وقعت أحداث الساحل، ثم جرمانا وصحنايا، لإحراج الحكومة وتشويه صورتها وتقديمها كسلطة حاكمة دينية متعصبة تضطهد الأقليات الدينية. وكل ذلك يجري، وبكل وقاحة، لأجل طلب حماية دولية واستجرار تدخل خارجي لتأسيس، ثم تكريس واقع انفصالي تحت مسميات خادعة، يتناغم مع التهديدات الإيرانية والمطالب الإسرائيلية الواضحة.

ولا يقلّ خطورة عن التمردين المسلحين اللذين وقعا في الساحل والجنوب، سعيُ ميليشيا “قسد” لعرقلة تنفيذ الاتفاق الموقع مع الرئيس الشرع بشكل سلمي، وأخذ الأحداث إلى صدام عسكري لتنفيذ ما تمّ التوقيع عليه، وتحاول الحكومة تجنّبه قدر الإمكان.

وبالطبع، انضم “داعش” إلى الجوقة المعادية للدولة السورية عبر مواقف وإصدارات علنية لتقويض الاستقرار، ومحاولة إظهار ضعف الحكومة وتصويرها بأنها غير قادرة على السيطرة على كل البلاد، إذ إنها لا تُسيطر على العاصمة.

بعد تفجير كنيسة مار إلياس الإرهابي، وهي من الخواصر الأمنية الرخوة التي يمكن أن تُستهدف لمن أراد تفجير نفسه ووراءه دعم لوجستي قوي، انبرى المطران يوحنا العاشر لاتهام الحكومة بالضلوع فيه، ولو بشكل غير مباشر، عبر فشلها في تأمين حماية أمنية لدور العبادة المسيحية. وباستحضاره لأحداث الحرب الطائفية بين الدروز والمسيحيين التي جرت في عهد الدولة العثمانية، كان يُشير إلى موقف الدولة العثمانية التي تمّ اتهامها بالوقوف ضمناً ضدّ المسيحيين، وأسقط الموقف نفسه على حكومة دمشق.

وتلك الفرصة السانحة الأولى للمطران الأرثوذكسي ليكشف عن وجهه السافر في معاداة الدولة الجديدة، وحنينه إلى الحظيرة الأسدية، في تقدير خاطئ منه بأنّ ذلك سيؤثر على صورة العهد الجديد، التي قدّمها للعالم عبر صناعته لبروباغندا “هولوكوست” مسيحي قادم. وقد غاب عن (غبطته) أنّ الغرب لا ينظر له إلا كبقايا نفوذ روسي مشرقي، كما ينظر للعلويين السوريين كبقايا نفوذ إيراني مات وإلى الأبد.

لن تؤثر تلك الدعوات التي تصدر عن رجال دين كانوا في كنف سلطة الأسد على الإضرار بمنهج السلم الأهلي الذي يسير عليه المجتمع السوري وتقوده الدولة، وستُثبت الأيام أنّ الشعب السوري واحد، وأنّ دولة المواطنة هي القادمة، وأنه لا فرق بين سوري وسوري إلا بالقدر الذي يكون فيه مواطناً صالحاً يتمتع بنفس الحقوق، وعليه نفس الواجبات.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني