الهجوم الأمريكي ضد إيران.. دوافعه أهدافه ونتائجه
إن ما جرى ويجري لا يمكن تسميته حرباً، إنما هو مجرد هجمات أمريكية حصراً، حيث تم إشراك إسرائيل ليس للحاجة لإشراكها، إنما لأسباب منفصلة، وهي محاولة إخراج إسرائيل من ألعوبة التخادم والتراقص مع إيران، وإخراجها من أكذوبة ومسرحية الممانعة والمقاومة، وأهم من ذلك محاولة استعادة إسرائيل لهيبتها ورهبتها، وترميم التشوه الذي طمس صورتها بعد الحرب في غزة.
والهجوم الأمريكي عملٌ مفصلي حاسم، وله آثار واسعة وهامة ومختلفة المستويات، لذلك فهو جدير بالنظر والتفصيل والتقييم، وسوف نلقي الضوء على نتائجه المتوقعة بكافة الاتجاهات، ونركّز على الحيّز الذي يخص سورية الجديدة.
ومن أجل تقييم ما يحدث يجب أن ننطلق من أن نظام إيران الملالي هو أصلاً مشروع من صنع الأمريكان، تم إنشاؤه لأهداف تتعلق بإعادة تشكيل توازن القوى في الشرق الأوسط بعد انهيار التوازن السابق بسبب اتفاقية كامب ديفيد. وإن لكل مشروع أو عمل مدة صلاحية، وبالتأكيد كان الأمريكان يخطّطون لإنهاء مشروع إيران الملالي واستبداله، ولو على مدىً بعيد ومريح، ولكن ظهور الربيع العربي عموماً واندلاع الثورة السورية تحديداً قد أفسد مشروع إيران وأنضب جدواه، فاضطر الأمريكان للاستعجال وقرّروا استبداله بمشروع كوردستان، وبدأوا عملهم، ولكن طرأت عوامل وأسباب أدّت إلى اشتعال الحرب في أوكرانيا، وكان من نتائجها وضروراتها تجميد مشروع كوردستان، ومن جهة أخرى الاستعجال بإنهاء نظام ومشروع إيران.
ولقد كانت دوافع الأمريكان من تحجيم إيران هي استبدالها بمشروع أكثر جدوى، ولكن مع تطور الأحداث والمتغيرات والتموضعات الدولية فقد تطورت دوافع الأمريكان إلى أن أصبحت:
1- إضعاف روسيا وحرمانها من حليف جنوبي، وذلك أولاً لعدم مساعدتها في حرب أوكرانيا.
وثانياً لإبعاد روسيا نهائياً عن منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.
2- حرمان روسيا من حليف استراتيجي، وكذلك نسف حلف البريكس الذي تراهن عليه روسيا.
3- حرمان الصين من إيران كحليف ومصدر للنفط والغاز وممرّ وطريق للصادرات والمستوردات من وإلى الصين.
4- كسب ود وشراكة العرب والأتراك، وتعويض التواطؤ السابق مع إيران بضربها وتحجيمها.
والآن دعونا نقيّم هذه الأهداف ومدى تحقيق ما تم التخطيط له، فلقد تم إضعاف روسيا وحرمانها من حليف، ولقد تم إضعاف إيران وإرجاعها عشرات السنين، وانتزاع القدرة على تصنيع السلاح النووي، وكذلك الصواريخ البالستية، لأن ذلك يتعارض مع الهندسة المستقبلية للمنطقة.
وفي الواقع إن عملية مهاجمة إيران وتحجيمها هي إحدى عناصر السياسة الأمريكية الخارجية، وهي خطوة من مجموعة خطوات متكاملة، حيث تطورت أهداف الأمريكان وأغراضهم، ولقد تمّ تركيز العمليات والأهداف في منطقة الخليج العربي والمضيق المعروف الآن بمضيق هرمز، وتمّ إظهار أن إيران تسيطر على المضيق وتستطيع إغلاقه، وهذا غير صحيح، فالولايات المتحدة تستطيع أن تشلّ إيران نهائياً خلال ساعات، ولكن هي بدايةً أرادت ابتزاز بعض الدول والضغط عليها، وفي مقدمتها الدول الأوروبية والصين، لإفهامهم أن النفط بيد الأمريكان ولا يمكن مناكفة أمريكا ومعارضة مصالحها، ولكن الأمريكان لم يستمروا بهذا التوجه لكي لا تستفيد روسيا من تفرّدها وتميّزها كمصدر للنفط والغاز.
ولكن بكل الأحوال تم جعل مضيق هرمز وإظهاره غير آمن، ولا يمكن اعتماده كمعبر للطاقة التي هي أساس الاقتصاد بكافة أذرعه. وإن الهجوم ضد إيران هو عمل هام ومتشعب الأهداف، فهو لإضعاف روسيا ووسيلة للضغط على الصين ومحاصرتها، حيث إن الأمريكان يشنّون حرباً ضد الصين، ولكن ليس عسكرياً بل اقتصادياً، والخليج والمضيق أحد أهم محاور الهجوم. ثم إن العمل ضد إيران مكمّل لما حدث في فنزويلا، ومعزّز لدور أمريكا في المنطقة، وهو مؤسس ومؤهّل لدور أمريكي شبه حصري في هندسة وبناء الشرق الأوسط الجديد.
وبتحليل بسيط نستطيع أن نستنتج أن الهدف العام للأمريكان هو إحكام سيطرتهم على العالم، ومنع أي دولة من تجاوز حدود مرسومة بشكل صارم، إضافة إلى ترسيخ قانون البترودولار. وتطبيقاً وتحقيقاً لهذه الأهداف، واستثماراً لنتائج الهجمات العنيفة ضد إيران، والتي يجب الإشارة إلى أنه يجب ربطها ودمجها بنتائج وتداعيات الحرب في أوكرانيا، وبناءً على كل ذلك فإن خطة الأمريكان القادمة في المنطقة سوف تكون جزءاً من خطة أمريكية تشمل العالم بأكمله، وهي خطوات استراتيجية سوف تكون على الشكل التالي:
بعد أن تم تلقين الأوروبيين درساً بليغاً في حرب أوكرانيا، وتأديبهم بسبب مشروع الاتفاق الذي كان سبباً لإشعال الحرب الأوكرانية، وهو اتفاق لتوريد النفط والغاز الروسي إلى الصين، وتسديد الأثمان باليورو الأوروبي بدلاً من الدولار الأمريكي، ثم إفهام الأوروبيين استحالة الخروج عن طاعة الأمريكان، وإدراك أوروبا حاجتها للحماية الأمريكية، فإنه بذلك لم يعد هناك مانع من التسهيل على الأوروبيين وفتح الطرق بشكل كامل بين أوروبا والدول العربية، وإن الانفتاح العربي الأوروبي سوف يكون استراتيجية أمريكية، ولها أهداف عديدة، على رأسها تخفيف العلاقات التجارية مع الصين، وكذلك إيقاف نقل النفط والغاز الروسي إلى أوروبا، وذلك لإضعاف روسيا، وخاصة مع عدم استمرار الحاجة إلى ابتزاز أوروبا بصلابة الشريك الروسي.
وللوصول إلى ذلك سوف يتم ما يلي:
1- تمديد خطوط أنابيب لنقل النفط والغاز العربي عبر سورية ثم تركيا وصولاً إلى القارة الأوروبية ودولها، ومن هنا ورد وتكرر تعبير استبدال مضيق هرمز بسورية، وهذا تعبير سياسي المقصود منه تقليل تصدير النفط العربي شرقاً نحو الصين، وتعويض ذلك بسد حاجة أوروبا بشكل كامل.
2- إعادة تأهيل وكذلك إنشاء وتعزيز طرق النقل والترانزيت بين البلدان العربية والدول الأوروبية عبر تركيا، وذلك لتعزيز التبادل التجاري بشكل يتسع أفقياً وشاقولياً على حساب التبادل مع الصين.
3- تعزيز وتوسعة الموانئ السورية، ومرافقة ذلك بطرق النقل إلى الدول العربية، وتشجيع ذلك من قبل الأمريكان والأوروبيين، وذلك لعدم استئثار تركيا وسيطرتها على المعابر والطرق.
4- سوف يتم تنشيط موانئ الخليج العربي بحيث تكفي لربط الهند والباكستان وبعض دول آسيا بأوروبا والدول العربية، بهدف عزلها عن الصين قدر المستطاع، وكذلك سوف يتم حجب وممانعة المشاريع الإسرائيلية، وخاصة طرق النقل المتطورة بين الخليج العربي وموانئ فلسطين، لأنها تعتمد بشكل أساسي على ربط الصين بأوروبا، وهذا يتعارض تماماً مع المصالح الأمريكية، وكذلك إن مشاريع إسرائيل تتعارض مع تصميم الشرق الأوسط الجديد الذي سيكون تجارياً مدنياً تنموياً بعيداً عن مغامرات وأحلام إسرائيل.
5- سوف يكون من استراتيجية الأمريكان تثبيت وترسيخ (طريق الحرير) بين الشرق والغرب عبر سورية، وسوف يتم عرقلة وممانعة الطريق عبر إيران ثم تركيا، لأنه عبر إيران سيكون خارج السيطرة الأمريكية، وأقرب وأسهل لحصول السيطرة الصينية.