الملعب السوري واستقصاء اللعب فيه
سوف نبدأ بإعطاء تصور عن الملعب السوري وقوانين اللعب فيه، وهو مشروع اختراع لعبة. وهذا الملعب وأمثاله من الملاعب:
أولاً: يشبه رقعة الشطرنج، ولكن ليس بعدد مربعات محدد، وليس مخصصاً لفريقين فقط هما الأسود والأبيض، إنما الملعب السوري وأشباهه هو ملعب يضم عدداً من المربعات أو المنصات أو قواعد الانطلاق بعدد اللاعبين القادرين على دخول الملعب، وتزداد أو تنقص بتزايد عددهم أو نقصانه. وبالطبع، هؤلاء اللاعبون هم دول قوية ومؤثرة وليسوا أشخاصاً.
ثانياً: يدخل اللاعبون (الدول) وتبدأ اللعبة، وهي محاولة كل لاعب السيطرة على أكبر مساحة من الملعب. وأساليب محاولات السيطرة ليست بالضرورة صراعاً عسكريّاً أو مسلّحاً، بل هناك تحالفات أو تشاركات أو مقايضات، كما أنّ هناك توظيفاً لأوراق وأدوات من خارج هذا الملعب للحصول على مساحات، أي مكتسبات، داخله.
والآن، بعد فهم اللعبة وقواعدها، فسوف نجيل النظر فيما نستطيع من المعطيات والمعادلات والخطوط البيانية التي فرزها الملعب، والتي قد توضح نتائج اللعب.
في البداية، إننا نعلم بأن اللعب في الملعب السوري قديم، ولكن يمكن تقسيمه إلى دورات أو فصول ومواسم. ويجب أن ندرك ونبني على أنه بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا فإن اللعب في سوريا أصبح في دورة جديدة ومفصولة عمّا قبلها. والآن سوف نبدأ بقراءة ما يظهر على اللوحة البانورامية للملعب:
- الولايات المتحدة الأمريكية قررت إنهاء مهمة روسيا وإيقاف تكليفها في سوريا، وقررت تحجيم دورها وتقليص وجودها بشكل عام وشامل، وانعكس ذلك وتُرجِم في سوريا. واستلزم قرار تحجيم وإضعاف روسيا قراراً أمريكيّاً بإضعاف إيران وتدمير أتباعها مثل حزب الله وطردها من سوريا. كما قرر الأمريكيون تجميد مشروع كوردستان وتأجيله ريثما تأتي ظروف تدفع أمريكا لإطلاقه مجدّداً.
- إسرائيل ومعها داعموها وكثير من الدول حاولوا التمسك بالنظام الطائفي السابق، لكن الحرب في أوكرانيا نسفت وفجّرت “التوافق والتفاهم” الدولي، وتسارعت الأحداث والتطورات باتجاه انهيار النظام السوري وزواله، وهنا قرر هؤلاء، بشكل اضطراري ومأزوم، إيجاد بديل عن رئيس النظام المخلوع ومواليه.
- قرر اللاعبون الكبار، بقيادة الأمريكيين، إسقاط النظام السوري برئاسة بشار وإزالته واستبداله بنظام حكم آخر، لعدة أسباب، أبرزها انعدام إمكانية إصلاحه وإعادة تأهيله، وتحوله إلى عبء، وكون وجوده يعيق العلاقات والمصالح والمشاريع الإقليمية والدولية.
- كان قرار إزالة نظام عائلة الأسد قراراً تكتيكيّاً، وقد أعطوا الضوء الأخضر ضده ورفعوا عنه يد الحماية الحازمة، لكنهم كانوا ينوون إضعافه وتحضيره للسقوط بعد شهور، حتى ينتهوا من إنجاز بعض الإجراءات الأساسية بالنسبة لهم، وأهمها:
- أ. كتابة وفرض دستور مدروس ومحبوك لكي يتم تقييد وتكبيل وتقزيم سوريا المستقبل، أي سوريا البديلة (لسوريا الأسد).
ب. إعداد وتشكيل قيادة جديدة ترضي جميع اللاعبين الخارجيين والمكونات الداخلية، وتصلح لتنفيذ كل ما تتطلبه مصالح الأقوياء في ظل التحول الدولي المستجد.
- الدولة التركية برئاسة أردوغان فهمت وأدركت كل تفاصيل خطة وتوجه اللاعبين الأقوياء، لكنها تسلّحت بالضوء الأخضر لإسقاطه، واستغلّت مصادفة الثغرة في الجدار الأمريكي، وهي نهاية فترة الإدارة الأمريكية (إدارة بايدن)، واستأنست بعدم وجود دوافع راجحة لتراجع الأمريكيين عن قرار إسقاط سلطة دمشق والعودة إلى حمايتها بحزم. وهنا اتخذ الأتراك قرارهم وبادروا بجرأة بهجوم حقيقي وعميق ضد عصابات وميليشيات النظام السوري، فسقطت حلب، ثم لم يتوقفوا، بل واصلوا دعم وتوجيه الهجوم الاجتثاثي، وقد قابل ذلك هجوم مكمّل ومتمم من جهة حوران المقابلة، وكان هجوماً واسعاً وصاعقاً ومتواصلاً نتج عنه سقوط قيادة النظام في دمشق وهروب رئيس النظام.
- بعد السقوط السريع لنظام الأسد، الذي سبق توقيت الخطة، فقد توافق اللاعبون المؤثرون على وضع قيادة مؤقتة بديلة، وربما كان للأتراك أثر كبير في تحديدها وتحديد رئيسها، والآخرون لم يمانعوا أو يناكفوا ذلك بسبب التطابق في المصالح.
- رغم أن الصراع في أوكرانيا كان له ولتداعياته الأثر البالغ والحاسم على الساحة السورية، إلا أن الصراع بين روسيا من جهة، والأمريكيين وحلفائهم وأتباعهم من جهة أخرى، لم ينتقل أو ينعكس بكامله أو بحذافيره إلى الملعب السوري، بل تم تهذيبه وتعديله وتوظيفه بشكل ذكيٍّ ومرنٍ وبعيد المدى، حيث لم يتم استغلال ظاهر الواقع لاستبعاد روسيا، بل يجري توظيف وجودها ونفوذها لبيع ومقايضة إقصائها لاحقاً وعند الحاجة.
- الصراع في سوريا ليس بين أمريكا وحلفائها، وأبرزهم إسرائيل، وبين روسيا، بل هو بينهم وبين تركيا. وللتوضيح، فإن الصراع ليس بالضرورة عسكريّاً ومسلّحاً، بل له أساليب أكثر ذكاءً.
- وبالدرجة الأولى، للضغط على تركيا، فقد تم الحفاظ على روسيا ووجودها، وتم السماح للقيادة المؤقتة في سوريا بالتواصل مع روسيا وتكريس وإنعاش بعض المشاريع والمصالح الروسية في سوريا، وتم إحياء الاتفاقيات السابقة. ومن أهداف ذلك القرار الغربي ترك سوريا المستقبل في الضفة الروسية، وهذا يسهّل ويبرّر إقصاءها عن السوق الرأسمالي الحر وحرمانها من شراء السلاح المتطور والتكنولوجيا. وبالطبع، هذا ليس كرهاً بالشعب السوري ولا خوفاً من منافسة سوريا للدول الغربية صناعيّاً – فهذا تخريف – إنما لكي تبقى سوريا ضعيفة أمام إسرائيل، ولكي يساعد هذا في التعويض عن سقوط وزوال نظام الأسد الوظيفي الصنيع.
- معظم الدول العربية اللاعبة تحاول التنسيق والتفاهم واللعب والانطلاق من مربع واحد، وتطمح إلى إحراز أكبر مساحة ممكنة تكون مشتركة. والعرب ينافسون تركيا ويحاولون التوازن معها، والذي يساعد في استمرار التوافق حتى الآن هو رضا وارتياح الأمريكيين وأتباعهم للقيادة المؤقتة في دمشق.
- العراق لا تزال تخضع لإيران وتتبعها، أما لبنان فهي دويلة مضطربة لا تنتهج سياسة.
- إسرائيل المحتلة والمعادية تريد استغلال هذه المرحلة وخصوصيتها وثغراتها إلى أبعد حد ممكن؛ فقد توسعت وتمددت شرقي خط الهدنة 1974، وفرضت منع وجود الجيش والتسليح في جنوب سوريا، وتريد انتزاع قرار بالتنازل عن الجولان المحتل والكفّ عن المطالبة بإعادته، كما تريد تقزيم وتدجين جيش سوريا المستقبل، وتريد ضمان تطبيع سوريا للعلاقة مع إسرائيل والاشتراك في اتفاقية (أبراهام) التي كثر الحديث عنها.
- إسرائيل هي الذراع التنفيذية للأمريكيين وحلفائهم، وتريد الاستفادة من تضاريس ونتوءات المكونات الطائفية والإثنية للشعب السوري؛ فقد استثمرت الطائفة الدرزية من خلال تيار وتشكيلات الزعيم الروحي الشيخ الهجري التي تصدّرت المشهد وسيطرت على قرار وفعالية الطائفة. ولا توجد مصلحة في الانفصال التام للطائفة الدرزية لأن ذلك يعني دويلة زائدة ستصبح عبئاً دون جدوى، وانفصالها يزعج بعض الدول الصديقة. لكن الأكثر فائدة هو تحصيل امتيازات للطائفة تدعم تمرّدها حين الطلب، ثم يُفضّل تركها داخل سوريا المستقبل.
- تقوم إسرائيل بالنيابة – ولو جزئيّاً – عن الأمريكيين بدعم الانفصاليين الكوردستانيين (قسد)، لأن الأمريكيين أعلنوا وأظهروا التخلي عن مشروع كوردستان تقرّباً من الأتراك واسترضاءً لهم أثناء الحرب في أوكرانيا وتطوراتها المحتملة، فتم تكليف إسرائيل بتقديم دعم يضمن بقاء المشروع ولو مجمّداً.
- التوجه الحالي للاعبين الأقوى هو إنشاء جيش سوري جديد يضم تشكيلات خالصة من الطائفة الدرزية ومن الأكراد المنتمين إلى ما سُمّي (قسد)، وهناك خطط لإعادة أفراد وضباط التشكيلات المنحدرين من حاضنة النظام المخلوع ومواليه من الطائفة العلوية.
- لقد جرى تشكيل مجلس يمثل نواباً عن الشعب لكي تتم موافقة وتصديق الاتفاقيات التي أجرتها وسوف تجريها قيادة المرحلة المؤقتة لإكسابها الشرعية والقانونية، وسوف يُصاغ دستور جديد.
- هناك تلويح، وربما محاولات جادة، لطرح ما عُرف بـ (منتدى باريس) بصدارة مناف طلاس، وطرحه كمزاحم ومنافس وبديل للقيادة المؤقتة الحالية. وهذه المبادرة والنشاط من قبل الغرب، ولكن هذه المرة بزعامة فرنسا، ومعروف أن فرنسا تنافس، بل تصارع، تركيا. أي أن هذه المناورة هي رسالة واضحة بسعيٍ لاستبدال القيادة الحالية، وتتضمن اتهاماً بأنها محسوبة على تركيا ومن اختيارها. لكن تركيا فاجأت المراقبين بإظهار تقبلها وتوافقها.
- تركيا استطاعت الحصول على ضوء أخضر لمهاجمة الانفصاليين الكوردستانيين والقضاء على (قسد)، ولكن القيادة في دمشق بدلاً من مساعدة تركيا بطلب رسمي للتدخل والتحالف التام معها لمحاربة (قسد)، تواصل التفاوض مع (قسد) وقيادتها، كما تساير إسرائيل وتتقارب مع روسيا، وهذا يكون على حساب تركيا ويضعف موقفها.
سوف أكتفي بما استعرضته من المربعات واللعب، ولن أخوض في مجال الاستنتاج والتوقع، بل سوف أترك ذلك لمن يقرأ ما رأيته، لكي يضيف عليه ما يراه، ثم يحلل ويركّب ويستنتج ويستشرف القادم من الأحداث.