المكاسب من تحرير الأحياء المحتلة من حلب

0

حلب من أقدم المدن المأهولة في التاريخ، تلك المدينة الخالدة لها قصتها مع الثورة السورية، حيث كان لتأخر انضمام حلب لقطار الثورة السورية أثره البالغ عليها، إذ أفقدها الكثير من قوتها، وقوّى بالمقابل سردية النظام بأنّ الثورة السورية ثورة أرياف طبقية ضد مجتمعات المدن الكبرى التي تؤيد النظام. والمعروف أنّ أفكار التطرف والتنظيمات التي تتبنى تلك الأفكار عادة ما تخرج من البيئات المهمشة، والتي يكون الفقر أهم أسبابها. كانت سردية نظام الأسد أنّ المدن الكبرى مؤيدة له، وأنّ الثورة السورية ثورة جياع أو تطرف ديني أو تمرد طبقي.

بدخول قوات الثورة إلى نصف حلب الشرقي سقطت سردية النظام التي عمل عليها لأكثر من عام ونصف حول مناعة القوى المدينية عن الانخراط بالثورة عليه، ومن صيف 2012 أعطى انضمام حلب لقطار الثورة ثقلاً نوعياً لها، بحيث باتت الثورة السورية رقماً صعباً لا يمكن اختزاله بتمرد ريفي بغطاء ديني كما رغب النظام بتقديمه للعالم.

كان احتلال حلب الشرقية في أواخر عام 2016 هو ما قدّمه القيصر الروسي، بعد عام من تدخله العسكري المباشر، كأول إنجاز حقيقي له على الأرض. وبخروج قوى الثورة من حلب حقق نظام الأسد وحلفاؤه تقدماً حقيقياً، معنوياً أولاً، ومادياً على الأرض ثانياً، وبدا للجميع أنّ الانحدار في مسيرة الثورة، الذي بدأ بالخروج من حلب، قد يتم تتويجه لاحقاً بالقضاء على الثورة. وعملياً كان سقوط حلب إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في مسار ومصير الثورة السورية، وظنّ الكثيرون أنّ الضربة الفنية القاضية قد تم توجيهها للثورة، ولم يبقَ إلا القليل ليتم إعلان فوز النظام بالمباراة بالنقاط.

بعد ثماني سنوات من الخروج من حلب كان هدف معركة ردع العدوان في 27/11/2024 هو تحرير مدينة حلب، وذلك للاستفادة من التحضير الكبير لهذه المعركة، والاستفادة من تغيّر موازين القوى على الأرض بعد اهتراء قوات النظام ذاتياً، وانشغال حليفيه الكبيرين بمعاركهما مع الغرب.

كان تحرير حلب بثقلها المعنوي والمادي الكبير إيذاناً بتداعي أحجار دومينو نظام الأسد، حيث ترك الانهيار السريع لقواته في حلب وخروجها من سيطرته أكبر الأثر في انهيار معنويات جنده وفرارهم من المعارك. وكان شعار «حلب مفتاح النصر» واقعياً، حيث بفتح حلب انهارت القلاع الأسدية الجوفاء، وتساقطت تحت أقدام الثوار الزاحفين من الشمال.

تحررت حلب من رجس الأسد ولم تتحرر من رجس قسد، فقد كان المحور الشرقي الداعم للأسد في مرحلة تراجع، لم يتمكن من تقديم المدد له لإنقاذه، فيما كانت قسد شريكاً أرضياً لـ89 دولة في تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب. وكان الاقتراب منه عسكرياً ودحره يعني تحدياً للولايات المتحدة، التي تُمسك عملياً بمستقبل سورية الجديدة في ملفات متعددة، منها منح الشرعية الدولية للعهد الجديد، وأيضاً ملف العقوبات الذي يخنق السوريين، وملف التصنيفات الموضوعة على القيادة السورية.

لدحر قسد وفكفكة براغيها كان لا بد من إصلاح العلاقة مع الولايات المتحدة، وهذا ما فعلته القيادة السورية، وتمكنت من كسر القيود الأميركية الثلاث (الشرعية، العقوبات، التصنيفات)، وأخذت الحكومة السورية مكانها كشريك للولايات المتحدة في محاربة الإرهاب بدلاً من قسد.

راكمت القيادة السورية أوراق القوة الحقيقية بيدها بعد توقيع اتفاق 10 آذار، فيما اتجهت قسد إلى الاستثمار في أخطاء الحكومة والرهان على تعثرها داخلياً وخارجياً. ومضت شهور الاتفاق العشرة دون تقديم قسد لأي حسن نية في تنفيذه، وكان الصدام متوقعاً في أي لحظة. اختارت قسد أصعب مكان على الدولة، وهو الأحياء المكتظة بالسكان، لإحراج الحكومة، وكانت الأخيرة مضطرة لقبول التحدي، ونجحت به نجاحاً مذهلاً فاق التصورات.

إنجازات تحرير الأحياء المغتصبة في حلب

1- عودة حلب مدينة طبيعية

عادت حلب مدينة طبيعية كسائر المدن، تفرض الدولة سيطرتها الكاملة عليها وتقيم سلطة القانون.

وتلك أهم الشروط لانطلاق العجلة الاقتصادية في المدينة وعودة أهلها النازحين عنها، بتوفر الاستقرار الأمني والنشاط الاقتصادي..

2- سقوط سردية القوة لقسد

بنت قسد سرديتها عبر الضجيج الإعلامي والذباب الإلكتروني، بأنها ميليشيا قوية عقائدية حسنة التدريب والتسليح، واخترعت تاريخاً مزيفاً لها.

سقطت كل تلك السردية خلال ساعتين من بدء معركة حلب، وتبيّن أنّ الضجيج الإعلامي وشراء بعض الأبواق لا يبني القوة الحقيقية على الأرض.

3- حِرفية الجيش السوري والقوى الأمنية

شاهد الجميع عملية ستُدرس في أرقى المعاهد العسكرية في حرب المدن، حول جراحة عسكرية دقيقة بمشرط جراح لإزالة البؤر المقاتلة العدوة، دون استعمال القوة المفرطة، بل القوة النوعية الدقيقة، وباعتبار المدنيين في تلك الأحياء ليسوا أعداءً بل مختطفين من العصابات المسلحة، بعدم القصف العشوائي، والضغط عليهم بالحصار التمويني، وفتح ممرات آمنة لخروجهم، وإعلامهم مسبقاً عن مناطق الاستهداف.

4- تقديم نموذج سوري لتحرير بقية المدن المحتلة من قسد

هذا النموذج رآه العالم، وسيتم تطبيقه عند تحرير بقية التجمعات السكانية التي تحتلها قسد.

5- توفّر الضوء الأخضر الإقليمي والدولي

كانت ورقة التوت التي تستر عورات قسد وتجعلها تتنمر على الدولة السورية هو ضوء أحمر أميركي لأي عملية عسكرية ضدها، وهذا الوهم سقط عملياً في حلب.

6- إسرائيل خارج الملف الداخلي السوري

سقطت كل الرهانات على إسرائيل، ومن كان يعوّل على ما فعلته إسرائيل في تموز الماضي كان واهماً.

7- انشقاقات ضمن قيادة قسد

بالتأكيد هناك تيارات في قسد لم ترغب في استهلاك ورقة حلب بتلك الرعونة، وتيارات أخرى رأت عكس ذلك. وقد ظهر الخلاف للعلن عند موافقة فريق على خروج آخر المسلحين من حي الشيخ مقصود، وإلقاء اللوم على التيار الذي أخذ قرار المعركة، ونجح التيار الأخير في عرقلة خروج المقاتلين ورفضهم لقرار التيار الآخر.

8- ضعف المقاتلين بقيادتهم

لا شك أنّ العتب كبير على قيادة تنظيم قسد، لأنها تركت مقاتليها في حلب لمصيرهم، ولم تفتح أي جبهة من جبهاتها الكثيرة لمؤازرتهم والتخفيف عنهم. حتى الموالين لها من القبائل العربية، أو المتورطين معها، لم يعودوا يثقون بها عندما شاهدوا تخليها عن المسلحين في حلب.

9- فشل نموذج قسد الذي يستند لقوة عسكرية وبدون حاضنة اجتماعية

والحاضنة الاجتماعية التي تحتضن المسلحين هي من أهم أسباب انتصار الثوار السوريين وإسقاط الأسد، رغم كل الهمجية التي مورست ضدها، للانفضاض عن المسلحين.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني