
الكيان الإسرائيلي وتصنيع الهجرية السياسية الانعزالية
اليقين عند معظم السوريين أنّ الكيان الإسرائيلي عدوٌّ إستراتيجي لهم، وأنّ العقيدة الإستراتيجية الإسرائيلية التي صاغها أول رئيس وزراء في حكومة العدو (بن غوريون) هي أنّ أمن إسرائيل هو أساس وجودها، ولتحقيق الأمن لا يكفي امتلاك القوة الرادعة فقط، بل يجب أن يتمّ ذلك بإستراتيجية بعيدة المدى، وهي إضعاف دول جوارها العربية السنّية.
وتلك العقيدة الإسرائيلية مستمرّة كإستراتيجية دولة، ولا تتغيّر بتغيّر المشهد السياسي الداخلي، ومن وضع تلك الإستراتيجية هم القادة العلمانيون (المؤسسون للكيان). ومع تلاشي تلك القوى بموت رابين وظهور الليكود اليميني بوصول مناحيم بيغن إلى رئاسة الحكومة، ازدادت في السنوات الأخيرة قوة اليمين الإسرائيلي المتطرف، وأصبح حزب الليكود معتدلاً قياساً لتطرفه. وبالتالي، بقي منهج إضعاف المحيط العربي السنّي ثابتاً عند كل الحكومات ورجالات الكيان.
تُعتبر إسرائيل من أكبر الخاسرين إستراتيجياً (بعد إيران) من إسقاط نظام الأسد، حيث أمّن لها حماية حدودها من الجهة الشمالية طيلة ستين عاماً، وكان الركيزة الأولى لتأسيس تحالف الأقليات، ثمّ العمل على تطويره بعد انتصار الثورة الإيرانية الشيعية ورعاية قيام حزب الله اللبناني وتسليمه الوكالة الحصرية “للمقاومة ضد إسرائيل”، وإقصاء البقية عن ذلك.
وجد الإسرائيليون أنّ إقامة تحالف الأقليات في المنطقة هو من صميم العقيدة الإستراتيجية بإضعاف العرب السنّة في الإقليم، وقد ساعد وبارك الغرب، الراعي لإسرائيل، هذا التحالف بالأهداف ضدّ عدوٍّ مشترك، وكانت سوريا الأسد هي الرابط الجغرافي بين حلقات تحالف الأقليات المتخادم مع الكيان الإسرائيلي.
بالطبع، لم يفهم الغربيون والإسرائيليون حقيقة المشروع الإيراني، وحدث الصدام الكبير بينهم بدءاً من 7 أكتوبر 2023.
كان نظام الأسد منخرطاً في المحور الإيراني ومتخادماً لأبعد الحدود مع الكيان الإسرائيلي عبر الروس في سوريا، حيث عملت إسرائيل جاهدةً على إدخال الروس إلى سوريا كضابط إيقاع بينها وبين المحور الشيعي، مع الإطراء على الجهد العسكري الروسي، والذي كان همّه الأول تدمير القوى العربية السنّية السورية التي تحمل مشروع الثورة السورية.
اعتادت إسرائيل على نظام الأسد ولا تريد تجريب غيره، وكان يُتيح لها تنفيذ أعمالها فيما عُرِفَ بعمليات “جزّ العشب”، وهي استهداف التموضعات العسكرية الإيرانية النوعية في سوريا، بل وكانت هناك اتهامات إيرانية في الفترة الأخيرة من حكم الأسد بأنه يساعد الإسرائيليين في توفير المعلومات الاستخبارية عن تشكيلات الحرس الثوري في سوريا.
وكانت إسرائيل لا ترى خطراً عليها من سوريا، حيث كانت مهمّة ميليشيا حزب الله والحرس الثوري عموماً وميليشيات الأسد في الجنوب هي تهريب الكبتاغون إلى الأردن، ولم يسمح الأسد للحرس الثوري الإيراني باستخدام جبهة الجولان، وخاصةً فيما عُرِف لاحقاً بوحدة الساحات أو الجبهات.
سقط الأسد وبدأت القيادة الجديدة بترسيخ سلطتها وإعادة بناء الدولة والمجتمع من تحت القاع، وبدأت العداوة الإسرائيلية واضحة وعملية، حيث أطلقت الحكومة الإسرائيلية كل الأوصاف السيئة على العهد الجديد، كما قامت بأكبر عملية جوية في تاريخها، ودمّر طيرانها كل البنية العسكرية لجيش سوري قادم، في حين كانت تلك البنية لا تُشكّل أي خطر على الكيان الإسرائيلي، ونقض الكيان المحتل اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1974 من جانب واحد، وأعاد احتلال أراضٍ جديدة، رغم كل التصريحات والمواقف السورية المطمئنة لهم.
وبات الهمّ الأول عند قادة الكيان هو العمل على تقسيم سوريا وإضعافها، والحيلولة دون قيام حكم مركزي قوي في دمشق ينتمي للأغلبية ويكون مستقراً، ويتمكن من انتشال سوريا من أوحال غطست بها طيلة أكثر من نصف قرن من عهد الأسدين…
ولتقسيم سوريا لا بُدّ من اللعب على وتر الأقليات، وبالطبع لا توجد ثقة بالأقلية العلوية، والتي تعتبرها إسرائيل بقايا نفوذ روسي وإيراني لا جدوى من الاستثمار فيه، وكانت كل الجهود منصبّة على الاستثمار بورقة قسد، التي تختطف قرار الأقلية الكردية، وتيار حكمت الهجري الذي يختطف قرار الأقلية الدرزية.
بالطبع، تخشى إسرائيل من نفوذ تركي قوي في سوريا بحكم المصالح المشتركة بين أنقرة ودمشق، والرعاية التركية للقيادة السورية عندما كانت في الشمال المحرر.
سأتناول هنا ملف السويداء الساخن الآن، حيث أفشل حكمت الهجري كل الجهود الحكومية على مدى الأشهر السبعة الماضية لإعادة السويداء إلى كنف الدولة، وكان الهجري مرتكزاً على دعم إسرائيلي له، على اعتبار أنّ أيّ كانتون درزي موالٍ لإسرائيل سيخدمها في ثلاث نقاط هامة:
1- ممكن أن يكون جيش لحد سوري يُؤمّن منطقة عازلة موالية لها في العمق السوري.
2- تشجيع المكونات الأخرى على تكرار سيناريو هذا الكانتون في الساحل والشمال الشرقي.
3- يمكن اعتبار الكانتون الدرزي الموالي للكيان الإسرائيلي حجر الأساس في إنشاء “ممر داوود”، وهو الحلم الإسرائيلي المعلن في هيمنة الدولة اليهودية من الفرات إلى النيل، والعمل على استمرار قطع المحور السنّي القادم بعد أن أطاحت الثورة السورية بالهلال الشيعي.
قد يكون الإسرائيليون تمنّوا نشوب حرب استنزاف طويلة بين قوات الحكومة وميليشيا الهجري تُرهق الحكومة، ولكنهم تفاجؤوا بسرعة انهيارها خلال 24 ساعة، مما دفع بهم للتدخل لإنقاذها، وقاموا خلال يومين بشنّ 160 غارة جوية في المناطق الساخنة، توّجوها بقصف رمزين سياديين للدولة السورية، وهما قيادة الأركان وقصر الشعب، الأمر الذي أدى بالرئيس الشرع إلى سحب قوات وزارتي الداخلية والدفاع إلى الحدود الإدارية لمحافظة السويداء بعد الوصول إلى اتفاق سريع مع أحد المراجع الدينية الدرزية، مفضلاً ذلك على الدخول في حرب لم يختر زمانها ومكانها مع الكيان الإسرائيلي.
وقصف دمشق بما تُمثّله من رمزية أموية عند كل العرب، وقيام ميليشيا الهجري بمجازر جماعية ضد المدنيين السنّة في المدينة، وتبجّح نتنياهو ووزير دفاعه بأنهم فرضوا الحماية للدروز بالقوة، كل ذلك أجّج مشاعر العشائر العربية في سوريا والعراق والأردن، بل وفي الخليج العربي، وأدى إلى تشكيل حشد عشائري مسلح توجه إلى السويداء لفكّ الحصار عن المدنيين الذي تفرضه قوات الهجري عليهم، وخوفاً من التنكيل بهم بعد وصول الأخبار عن مجازر يندى لها الجبين ارتُكبت بحقهم.
وخلال 24 ساعة حققت قوات الحشد العشائري تقدماً كبيراً، ودخلت إلى كثير من البلدات والقرى، وبات أمر سيطرتها على المدينة مسألة وقت لا أكثر.
ظهر فشل العملية الإسرائيلية في تأمين الحماية للدروز، وباتت المناشدات الإسرائيلية والهجرية تطالب بتدخل الحكومة السورية لحمايتهم من قوات العشائر العربية، وأظهر ذلك مراهقة سياسية عند نتنياهو ووزير دفاعه، عندما ظنّ أنه سيكسر الحكومة السورية أمام شعبها ويقوّي تيار الهجري. وارتكب نتنياهو انتحاراً جيوسياسياً عندما قصف عاصمة الأمويين دون أن تُطلق دمشق عليه رصاصة واحدة، بل كانت تُعالج شأناً داخلياً، وأدان مجلس الأمن العربدة الإسرائيلية الأخيرة، وانتصر الشرع على نتنياهو في حصيلة المعركة. وبالطبع، لن تتدخل الحكومة السورية لضبط الوضع المتأزم إلا وفق شروطها، وليس استجداءات نتنياهو والهجري.