الكهرباء تختبر الدولة السورية: بين شرعية القرار وعدالة الفاتورة

0

من صدمة الفواتير إلى اختبار الشرعية كيف تُدار السياسة الخدمية في المرحلة الانتقالية؟

لم يكن الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 مجرد تاريخ سياسي عابر في الذاكرة السورية، بل لحظة مفصلية أعادت طرح سؤال الدولة من جذوره: كيف يُدار الانتقال؟ وبأي منطق يُصاغ القرار العام؟ فعقِب سقوط النظام، ساد أمل وطني واسع، رافقته دعوات لضبط السلوك العام وحماية المؤسسات. غير أن هذا الأمل سرعان ما اصطدم بحقيقة قاسية: الدولة لا تُبنى بالنيات وحدها، بل بقدرتها على اتخاذ قرارات عادلة في اللحظات الأصعب.

تعزّز هذا التحدي بفعل تشظّي المرجعيات وتعدد أنماط الإدارة والحوكمة، ما جعل أي قرار خدمي أو اقتصادي قراراً «عالي الحساسية» اجتماعياً. ففي غياب أدوات تشريعية فاعلة ومسارات واضحة للمساءلة، يصبح القرار العام عرضة للاهتزاز، حتى وإن كان مبرّراً تقنياً.

واقع ملف الكهرباء في شتاء 2026

يتجلّى هذا الواقع بوضوح في ملف الكهرباء. ففي بلد تقترب فيه مستويات الفقر من 90% من السكان، دخل شتاء 2026 ليضع الدولة أمام امتحانها الأول:

– التسعيرة الجديدة: بلغت كلفة الاستهلاك حتى 300 كيلوواط/ساعة نحو 600 ليرة للكيلوواط.

– الشرائح العليا: ارتفعت لما فوق ذلك إلى نحو 1400 ليرة.

وبهذه المعادلة، تحوّلت فواتير الكهرباء إلى صدمة معيشية حقيقية، وصلت في حالات عديدة إلى ملايين الليرات، أي أعلى من متوسط الرواتب الشهرية. ولم يكن مستغرباً أن تشهد دمشق احتجاجات متكررة أمام وزارة الطاقة، وأن يرفض مواطنون تسديد الفواتير، فيما أصرت الوزارة على التمسك بالزيادات المقررة. عند هذه النقطة، لم يعد «القرار عالي الحساسية» توصيفاً نظرياً، بل واقعاً يومياً يمس كرامة الناس وقدرتهم على البقاء.

المكتسبات السيادية والتقنية المحققة

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي رؤية الصورة كاملة في فقرة واحدة متماسكة:

فقد سُجّل تقدّم طاقي مهم تمثّل في استعادة السيطرة على سد الطبقة، وتنفيذ أعمال صيانة واسعة في سد تشرين، إلى جانب اتفاق إقليمي لتزويد سوريا بالغاز عبر الأردن بنحو أربعة ملايين متر مكعب يومياً، بما يعزّز الاستقرار ويفتح الباب أمام تحسّن تدريجي في الإمداد.

سياسياً، توازى ذلك مع إنجازات سيادية بارزة، من بينها:

1- اتفاق دمج قوات قسد في الجيش الوطني.

2- مرسوم حقوق الكرد الذي أقرّ اللغة الكردية كلغة وطنية ثقافية.

3- اعتماد عيد نوروز عطلة رسمية.

4- إعادة الجنسية للمجرّدين منها.

5- الحصول على حزمة دعم أوروبية بقيمة 620 مليون يورو.

هذه المكاسب تؤكد أن الدولة الوليدة قادرة على التقدّم، وأن نجاحها التقني والسياسي يضاعف مسؤوليتها الاجتماعية.

المسار التصحيحي المقترح

تبدو الحاجة ملحّة إلى مسار تصحيحي واضح، يقوم على أربع خطوات أساسية:

– أولاً: تجميد مؤقت لأي زيادات جديدة ريثما تظهر نتائج الصيانة وزيادة التوليد.

– ثانياً: اعتماد شرائح استهلاك طبقية عادلة، مع رفع سقف الشريحة الأولى إلى 400–500 كيلوواط/دورة بسعر رمزي يحمي الحد الأدنى المعيشي ويستجيب لمطالب المحتجين.

– ثالثاً: إطلاق دعم موجّه للأسر الأشد فقراً بدل الدعم العام غير العادل.

– رابعاً: تفعيل منصات إنصات وحوار قبل اتخاذ القرارات التسعيرية، لا بعدها.

كما أن إطلاق حوار وطني عاجل يضم الحكومة، وممثلي المجتمع المدني، والنقابات، والخبراء، لمراجعة تعرفة الكهرباء على أسس اجتماعية واقتصادية شفافة، لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة سياسية واجتماعية.

الخاتمة

الاعتراف بالخطأ ليس ضعفاً، بل علامة الدولة الواثقة بنفسها. فالدولة التي تُنصت قبل أن تُسعِّر، قادرة على تحويل الأزمات إلى ثقة، والانتقال إلى عقد وطني جديد. والدولة التي تُعدّل قراراتها استجابةً لصوت شعبها، تكسب شرعية أعمق وتُسرّع التعافي الوطني.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني