القفـل…

0

قَلَقٌ…، وتوجّس…، وخوف مكبوت في الحنايا، وقذائفُ وصواريخ تتساقط، وشواظ حرب في عزّ صيف حار، ومعركة تدور رحاها حولنا… في البيت أنا وزوجتي وحيدين نخفي عن بعضنا ما يجيش في الصدر والفكر. أتماسك أمامها.. الموت يأتي المرء أينما كان وفي أي زمان، لا يطرق الباب، ولا يستأذن.. يتسلّل ويخطف دون مقدمات.. لن نبرح عشنا.. أن نبقى فيه أفضل من العراء. الحارة مقفرة.. غادر الجيران بالنساء والأطفال فغدت موحشة ومقبرة منتظرة. بماذا ندافع عن أنفسنا؟! لا نملك سلاحاً.. نحن نؤمن بالإنسان أخاً، وبالصداقة، وبالتسامح، وبالإخاء طريقة، وبالإنسانية نهجاً.. فما العمل إذا ما وصلوا إلينا؟ وكيف أهدهدُ هواجس رفيقة دربي؟ دخلت إلى المكتبة وتناولت آخر ما جاءني.. رواية أهدانيها مترجمها وصديقي الذي عشنا معاً في الاغتراب. جلست إلى الطاولة.. فتحت الكتاب.. قرأت العنوان والإهداء، وبدأت أتصفّحه لأشغل نفسي عمّا يدور حولي، صممتُ أذنيّ…، وعيناي تلاحق الكلمات.. أعدتُ الجمل والسطور مراراً ونظري موزّع بينها وبين أم العيال التي لا تهدأ عن الحركة من الغرفة إلى الفرندا ذي الواجهة الزجاجية ذاهبة آيبة كأنّها دجاجة توشك على المبيض، وبالكاد ـ لسوء الاتصالات ـ تكلّم ولدنا في الخليج وتطمئنه…، وقد أعدّتْ كأس مريمية واقتربت لتسكبه حين هزّ البيتَ انفجارٌ عنيف.. فصرخت.. وقفزت إلى الداخل.. زلزال هشّم مقياس ريختر، وسادت ظلمة… غبار كثيف أعمى البصر… ثم أخذ ينقشع رويداً رويداً. حمدنا الربّ فلم نصب بشظاياه المتناثرة في الأرجاء، وشاهدنا الزجاج المحطّم والمبعثر والأتربة يغطيان الأرضية ويغلفانها، ومن خلف حديد الحماية نظرنا إلى الآثار التي خلّفها… ورحنا نبحث أين سقط الصاروخ، ولم نعثر عليه حتى أشار جارنا المعتكف في المنزل إلى بقاياه… عندها علمنا ماذا فعل بواجهة البيت ومقدمته، وبوابة المدخل التي وجدناها مقفلة.. وتفازع بعضُ المقاتلين المرابطون في الجوار للاطمئنان…، وحاولوا فتحها عبثاً فاستعصت عليهم. حُجزنا في الداخل.. سجن غير متوقع، والزمن يتصرّم .. لا كهرباء، ولا ماء، نقتّر بها.. نظنّ بالحفنة، ونبخل باستخدامها… وانقطعت خطوط الهاتف الأرضية، وشبكات الموبايل لا تعمل إلّا إذا توفر شحن البطارية، والانترنت يغادر ويجيئ عزيزاً. ثمانية أيام ونحن نخاطب زوارنا من خلف حاجز كما في المعتقلات حتى كُسِر القفل أخيراً وتحررنا، وما زالت حمحمة خيول المهاجمين على أشدها، وكنا نتسقّط الأخبار – خلالها – من الشباب الذين يمرون بنا عمّا حصل في الريف الغربي والشمالي…، قالوا: هناك اجتياح للقرى، وقتل، وتعفيش، وحرق، وهدم، وتدمير… ولا رحمة بمن يقع بين أيدهم…. والتاريخ يكتب سطوراً عن مذابح وحشية… لقد وصلوا إلى المدينة.. استباحوها.. سطروا مجازر في مضافاتها، وأعدموا عائلات وجماعات في الساحات، واقتحموا البيوت ورموا سكانها بالرصاص، وسرقوا محتوياتها.. وأجبروا فتياناً على القفز من الشرفات وأطلقوا عليهم نار بنادقهم، ولم تسلم النساء والأطفال من الاختطاف، والسحل، والاغتصاب…، لقد وثّقت الصور وتسجيلات الهواتف، وكمرات الإعلاميين بما فيها أجهزة أولئك الوحوش المتعطشة للدماء وهم ينطلقون إلى غاياتهم يلوحون بالمقصات لقص الشوارب، وبالحراب التي فضحت نواياهم بالذبح تحت شعار كاذب “فك الاشتباك”، فالحقيقة لا تُدفن…، ولا تُطمر…، ولا تُحجب… “القضاء التام هدفهم، والتعليمات واضحة…”. وربما لن ينسى الأطفال الذين عاشوا المأساة أن السويداء ليست غزة فلسطين المنتهكة والمنسية التي تاه الطريق بهم عنها إلى الأقرب والحقد يفور في النفوس، وفي القلوب، ولم يتيقّنوا أنها أصبحت أخت دمشق تيمورلنك، وقد آخت بغداد هولاكو… 

سألتني حفيدتي بنت سبع السنوات: ماذا فعلت الطفلة «تالا» التي قضوا على والديها وأخوتها أمام جدّها العجوز ثم ألحقوه بهم وعيناها البريئتان تحدّق فيهم وترتجف…، وكيف مشت على دمهم طازجاً؟! أجبتها: فقط، لأنها مختلفة عنهم، فتنهّدت وطفرت الدموع من عينيها، وهمست: أليسوا من أهلنا؟ فرددت: بلى…، ولكنّ بعضهم مرتزقة غرباء لا يعرفون معنى الإنسانية…، ونكز خاطر مخيلتي، ومرّ شريط ذكريات قرأناه في صفحات التاريخ عن الأمويين وحكمهم العضوض، وضربهم الكعبة المشرفة بالمنجنيق، وتمزيق القرآن الكريم، ومسير نساءٍ عرايا من العراق إلى دمشق، وعن أشهى لقمة أكلها سفاح العباسيين فوق أنين أمراء بني أميّة، وتسليم عاصمتهم بغداد للعدو، وعن تنكيل الاحتلال العثماني والفرنسي…، ومقارعة الصهاينة في حروب ثلاث…، وما بذله الأجداد والآباء والأخوة من دم لأجل الحريّة، ومناهضة الاستبداد فغصّت الحنجرة بالكلمات، وتجمّدت الحروف على اللسان، وعجز القلم عن التعببر، وتصاعدت أسئلة: من أين جاء هذا الغل القابـع في الصدور…؟! وكيف توالد…؟! ومتى سنخرج من قوقعة الماضي…؟! وماذا سنورّث الأولاد والأحفاد…؟! وإلى أين نُقاد…؟! وما مآل البلاد…؟!

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني