fbpx

الفساد تحت الحصار: هل تستطيع الحكومة الجديدة قلب المعادلة؟

0 76

أكد الرئيس أحمد الشرع خلال مؤتمر إعلان الحكومة الانتقالية الجديدة أن “لن نسمح للفساد بالتغلغل داخل مؤسسات الدولة”، وهو تصريح يعكس جدية الحكومة في مواجهة هذه الظاهرة التي تهدد مستقبل البلاد وتعيق أي جهود للإصلاح والتنمية.

الفساد مشكلة مستفحلة في سوريا، وهو ليس مجرد انحراف سلوكي لأفراد، بل نتيجة طبيعية لظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية صعبة. الحديث عن مكافحة الفساد يجب أن يبدأ بفهم أسبابه الحقيقية، ثم البحث عن حلول واقعية تلامس حياة المواطنين اليومية. فالفساد لا يقتصر على الرشوة أو المحسوبية فقط، بل يشمل سوء استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية، والتلاعب بالمال العام، وغياب الشفافية في إدارة موارد الدولة.

أسباب الفساد في سوريا

  1. الفقر وضيق الحال: عندما يكون دخل العائلة بالكاد 20 دولاراً شهرياً، يصبح البحث عن طرق إضافية للبقاء مسألة حياة أو موت. فالمواطن الذي لا يجد قوت يومه قد يلجأ إلى الرشوة أو المحسوبية أو أي وسيلة أخرى لضمان الحد الأدنى من الحياة. الفقر يدفع الكثيرين إلى تجاوز القوانين لأن الخيارات الأخرى معدومة.
  2. ضعف الرقابة والمحاسبة: عندما تغيب المحاسبة الحقيقية، يصبح الفساد أسلوب حياة وليس مجرد استثناء. فالمسؤول الذي يعلم أنه لن يُحاسب، لن يتردد في استغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية. وإن غياب الشفافية في العمل الحكومي يسهل انتشار الفساد دون أي رادع حقيقي.
  3. غياب العدالة الاقتصادية: عندما تُحصر الفرص بيد قلة، بينما الأغلبية تعاني من التهميش، عندها يصبح الفساد وسيلة للوصول إلى ما لا يمكن تحقيقه بالطرق المشروعة. إن الاحتكار الاقتصادي، وسيطرة قلة على موارد الدولة، وعدم وجود عدالة في توزيع الثروة، كلها عوامل تدفع الأفراد للبحث عن طرق غير شرعية لتحقيق مكاسب مالية.
  4. الظروف السياسية غير المستقرة: الفساد يزدهر في الفوضى. عندما يكون هناك عدم استقرار، تتشكل شبكات المصالح التي تجعل من الفساد أداة للاستمرار في السلطة. ففي ظل غياب مؤسسات مستقلة وقوية، يصبح الفساد جزءاً من المنظومة السياسية نفسها، حيث يتم استخدامه لضمان ولاءات معينة أو شراء النفوذ.
  5. ضعف الوعي العام بمخاطر الفساد: كثير من المواطنين يعتبرون بعض أشكال الفساد أمراً عادياً أو حتى ضرورياً لتسيير أمورهم اليومية. فغياب الثقافة القانونية، والخوف من التبليغ عن الفاسدين، وعدم الثقة في قدرة الدولة على تحقيق العدالة، كل ذلك يجعل الفساد يستمر بلا مقاومة تذكر.

كيف يمكن معالجة الفساد؟

  1. تحسين الوضع المعيشي: لا يمكن مطالبة المواطن بالنزاهة بينما هو غير قادر على تأمين احتياجاته الأساسية. فإن تحسين الرواتب، وتوفير فرص عمل حقيقية، وضبط الأسعار خطوات ضرورية لجعل الفساد خياراً غير مغرٍ. لذا يجب أن يكون للمواطن بديل مشروع يضمن له حياة كريمة دون الحاجة إلى اللجوء للطرق الملتوية.
  2. تعزيز الرقابة والمحاسبة: لا أحد فوق القانون. يجب فرض آليات رقابية صارمة على جميع المستويات، من الموظف الصغير إلى أعلى المستويات في الدولة. إن إنشاء هيئة مستقلة لمكافحة الفساد، وتفعيل دور القضاء في ملاحقة الفاسدين، سيحدّ من انتشار الظاهرة.
  3. إصلاح القضاء: محاربة الفساد تبدأ من قضاء مستقل ونزيه، قادر على فرض العدالة دون تدخلات سياسية. فالقضاء يجب أن يكون لديه القدرة على ملاحقة الفاسدين مهما كانت مناصبهم، مع توفير الحماية الكافية للقضاة الذين يجرؤون على محاسبة الشخصيات النافذة.
  4. إشراك المجتمع في الحل: الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، وحتى المواطنين العاديين، يجب أن يكون لهم دور في كشف الفساد والتبليغ عنه. ويجب تعزيز الوعي العام بمخاطر الفساد من خلال حملات إعلامية وتوعوية، تُعرّف المواطنين بحقوقهم وتحثهم على رفض المشاركة في أي شكل من أشكال الفساد.
  5. تعزيز الشفافية في إدارة الدولة: يجب نشر تقارير دورية توضح كيفية إدارة الموارد العامة، ومنح المواطنين حق الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالمناقصات والمشاريع الحكومية. فكلما زادت الشفافية، كلما أصبح الفساد أصعب وأقل انتشاراً.
  6. تشجيع ثقافة العمل الشريف: يجب أن يكون هناك توجه مجتمعي نحو تقدير الأفراد الذين يعملون بجد ونزاهة، والابتعاد عن ثقافة “الشطارة” التي تبرر السلوكيات غير القانونية. فبناء مجتمع يرفض الفساد أخلاقياً سيكون له تأثير طويل الأمد في القضاء عليه.
  7. تأمين الموارد الاقتصادية لرفع المستوى المعيشي: مكافحة الفساد اليوم في ظل العجز الاقتصادي للدولة بحتم على السلطة الحالية تأمين الموارد الاقتصادية الكافية في أسرع وقت لتحسين المستوى المعيشي للمواطن السوري، وايضا احداث صندوق ضمان اجتماعي لدعم العائلات التي ليس لديها دخل. فمن دون توفير بيئة اقتصادية مستقرة، يبقى الفساد خياراً مغرياً للبعض للبقاء على قيد الحياة. إن الاستثمار في البنية التحتية، وخلق فرص عمل مستدامة، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، كلها عوامل تساعد على اجتثاث الفساد من جذوره.

ما زالت الحكومة الجديدة في بدايتها، ولم تتضح بعد ملامح نجاحها أو إخفاقها، لكن الأولوية اليوم يجب أن تكون لتأمين الموارد الاقتصادية من الدول المانحة، بما يضمن تحسين المستوى المعيشي للمواطن، ويبعده عن إغراءات الفساد كوسيلة للبقاء. إن التصريحات وحدها لا تكفي، بل يجب اتخاذ إجراءات حقيقية لضمان تدفق الموارد الاقتصادية عبر الالتزام بالمعايير الدولية وتنفيذ شروطها بفعالية. إن تصريح الرئيس أحمد الشرع بأن الحكومة لن تسمح للفساد بالتغلغل داخل مؤسسات الدولة يعكس رغبة واضحة في الإصلاح، لكنه يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مدى إمكانية تحقيق ذلك دون التصدي للأسباب العميقة للمشكلة. فمكافحة الفساد ليست مجرد شعارات، بل عملية تتطلب تغييرات جذرية تبدأ بتحسين مستوى المعيشة، وتطبيق رقابة صارمة، وضمان عدالة اقتصادية شاملة. ولا يمكن بناء دولة قوية إذا ظل الفساد القاعدة وليس الاستثناء، كما لا يمكن مطالبة المواطنين بالنزاهة في ظل ظروف تدفعهم إلى العكس. الحل يكمن في إصلاح شامل لهيكل الدولة، وتحقيق استقرار اقتصادي، وتفعيل مؤسسات رقابية مستقلة. عندها فقط يمكن القول إن الفساد بدأ في التراجع، وإن سوريا تسير نحو مستقبل أكثر عدالة وشفافية.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني