
الفرع 300: حين تحوّلت “مكافحة التجسس” إلى ركيزة للقمع في دولة الأسد
استعادة الحقيقة شرط لبناء المستقبل:
في الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، لا تكتمل فرحة السوريين بالتحرر دون مواجهة الإرث الثقيل لدولة القمع الأمنية. فإلى جانب الفروع المعروفة بوحشيتها، يكشف تقرير جديد للشبكة السورية لحقوق الإنسان جانباً مسكوتاً عنه من منظومة القمع، يتمثل في الفرع 300 التابع لإدارة المخابرات العامة، الذي لعب دوراً مركزياً في المراقبة والملاحقة والاعتقال والتعذيب، تحت غطاء “مكافحة التجسس”. إن كشف هذا الدور اليوم ليس فعلاً انتقامياً، بل خطوة ضرورية في طريق العدالة الانتقالية وترسيخ دولة القانون في سوريا الجديدة.
منظومة أمنية فوق الدستور:
يستعرض التقرير البنية الهيكلية للأجهزة الأمنية في سوريا، المؤلفة من أربعة أجهزة استخبارات رئيسة: المخابرات العامة، المخابرات العسكرية، المخابرات الجوية، والأمن السياسي، جميعها خاضعة مباشرة لمكتب الأمن الوطني ورئاسة الجمهورية. وقد مكّنها هذا الموقع من ممارسة صلاحيات واسعة تجاوزت السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، محوِّلة الدولة إلى كيان أمني مغلق، تُدار فيه شؤون المجتمع عبر الخوف والمراقبة والترهيب.
الفرع 300: الهوية الحقيقية خلف الاسم:
رغم توصيفه الرسمي كفرع مختص بمكافحة التجسس، يُظهر التقرير أن الفرع 300 كان في الواقع فرعاً مركزياً عابراً للفروع والمناطق، معنيّاً بمراقبة الأجانب والمغتربين، وتتبع السوريين ذوي الصلات الخارجية، وملاحقة العاملين في الإعلام والمنظمات الحقوقية والإنسانية. وقد استُخدمت تهم فضفاضة مثل “التعامل مع جهات أجنبية” و“التمويل الخارجي” كذرائع للاعتقال التعسفي والتعذيب، ضمن تنسيق وثيق مع فروع أخرى أبرزها الفرع 251 (الداخلي) والفرع 285 (التحقيق).
أرقام الانتهاكات: سياسة ممنهجة لا تجاوزات فردية:
وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 17,438 حالة اعتقال تعسفي منسوبة إلى الفرع 300، طالت ناشطين سياسيين، وصحفيين، وموظفين حكوميين، وأشخاصاً من جنسيات أجنبية. كما سُجِّلت 2,463 حالة تعذيب ارتُكبت داخل مرافق الفرع، شملت الصعق الكهربائي، والضرب المبرح، والتعليق المؤلم، والحرمان من النوم والعلاج، وانتزاع اعترافات قسرية.
ويشير التقرير إلى أن معظم المعتقلين لم يُعرضوا على قاضٍ، وأن كثيرين منهم نُقلوا لاحقاً إلى فروع أخرى أو إلى سجن صيدنايا، فيما أُحيل بعضهم بعد أشهر إلى محاكم عسكرية أو محاكم “الإرهاب”، في انتهاك صارخ لمبادئ المحاكمة العادلة. كما وثّق التقرير ممارسات ابتزاز مالي لعائلات المعتقلين، ومراقبة واسعة للاتصالات دون أي إذن قضائي.
المسؤولية القيادية والقانونية:
يؤكد التقرير أن هذه الانتهاكات لم تكن أفعالاً فردية، بل جاءت في إطار سياسة دولة ممنهجة. ويحمّل المسؤولية المباشرة لقيادات إدارة المخابرات العامة التي تولّت إدارتها منذ عام 2011، وهم اللواء زهير حمد، واللواء محمد ديب زيتون، واللواء حسام محمد لوقا. كما يربط التقرير الفرع 300 تنظيمياً بمكتب الأمن الوطني ورئاسة الجمهورية، ما يرسّخ مبدأ المسؤولية الجنائية القيادية والمتسلسلة.
ويخلص التقرير إلى أن الانتهاكات المرتكبة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز تبريرها بالأوامر العليا، ولا شمولها بأي عفو أو تسوية سياسية، مع التأكيد على عدم مشروعية أي اعترافات انتُزعت تحت التعذيب.
تفكيك دولة الخوف وبناء دولة الحق
إن إدراج ملف الفرع 300 في صلب مسار العدالة الانتقالية ليس ترفاً حقوقياً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية. فبناء سوريا الجديدة يمر حتماً عبر كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وحفظ الأرشيف الأمني، وإنصاف الضحايا، وإصلاح الأجهزة الأمنية على أسس خاضعة للرقابة والمساءلة. وحدها مواجهة الماضي بشجاعة قادرة على تفكيك دولة الخوف، وفتح الطريق أمام دولة المواطنة والكرامة التي حلم بها السوريون ودفعوا ثمناً باهظاً من أجلها.