الغوطة بعد اثني عشر عاماً: السارين شاهدٌ أبدي على جريمة العصر

0

جرحٌ لم يندمل:

في فجر الأربعاء 21 آب/أغسطس 2013، استيقظ العالم على مشهدٍ لن ينساه التاريخ: أطفال يختنقون في أحضان أمهاتهم، أحياء سكنية تتحول إلى مقابر جماعية، وصمت دولي مخزٍ أمام أفظع هجوم كيميائي عرفه القرن الحادي والعشرون.

اليوم، وبعد مرور اثني عشر عاماً، لا تزال الغوطتان الشرقية والغربية تحملان ذاكرة السارين الثقيلة، كندبة محفورة في جسد سوريا وضمير الإنسانية.

جريمة ممنهجة بأدوات الدمار الصامت:

وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن قوات نظام الأسد أطلقت ما لا يقل عن عشرة صواريخ محملة بغاز السارين، تُقدَّر كميتها الإجمالية بـ 200 لتر، في أربع هجمات متزامنة على الغوطتين. استُغلت الظروف الجوية التي أبقت الغاز ملاصقاً للأرض، ليحصد أكبر عدد من الأرواح وهم نيام. الحصار المفروض منذ 2012 منع وصول العلاج والدواء، فحوّل الكارثة إلى إبادة جماعية بطيئة.

حصيلة الفاجعة: أطفال نائمون إلى الأبد:

في تلك الليلة السوداء وحدها، قُتل 1144 إنساناً اختناقاً، بينهم 99 طفلاً و194 سيدة، أي ما يقارب 76% من مجموع ضحايا الأسلحة الكيميائية في سوريا. كما أصيب 5935 شخصاً بأعراض اختناق وأمراض تنفسية.

لقد كان الاستهداف المباشر للمدنيين مقصوداً، والضحايا الأبرياء أكبر شاهد على وحشية النظام.

تداعيات لا تموت:

لم تنتهِ المأساة عند حدود ذلك الفجر المشؤوم. الضحايا وأسرهم يواجهون حتى اليوم أمراضاً مزمنة في الجهاز التنفسي والقلبي، واضطرابات نفسية كالاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة. أما الأطفال المولودون بعد الهجوم، فكثير منهم يعانون من عيوب خلقية ومشكلات نمو. إنها جريمة تتناسل عبر الأجيال، وليست مجرد واقعة في الماضي.

سجلّ الجريمة: 222 هجوماً كيميائياً:

ما بين كانون الأول/ديسمبر 2012 حتى كانون الأول/ديسمبر 2024، وثّقت الشبكة السورية 222 هجوماً كيميائياً في سوريا، نُفذ 98% منها على يد نظام الأسد، و2% على يد تنظيم داعش. هذه الهجمات أودت بحياة 1514 شخصاً، وأصابت أكثر من 11 ألفاً. هجوم الغوطتين بقي الأكثر فتكاً، والأوضح دليلاً على استراتيجية ممنهجة في استخدام السلاح الكيميائي كسلاح حرب وإبادة.

مسار العدالة بعد سقوط النظام:

اليوم، ومع انطلاق سوريا في مرحلة انتقالية، يتجدد الأمل بتحقيق العدالة. الشبكة السورية لحقوق الإنسان أكدت ضرورة تدمير ما تبقى من مخزون الأسلحة الكيميائية بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بعد أن أثبتت تقارير المنظمة أن إعلان النظام عن ترسانته كان مليئاً بالثغرات وعدم الاتساق. العدالة لن تكتمل إلا بكشف الحقائق كاملة ومحاسبة كل من خطط ونفذ وأمر بهذه الجرائم.

ذاكرة الغوطة.. مسؤولية الإنسانية:

الغوطة ليست مجرد ذكرى في تقويم المآسي السورية، بل هي رمز لمعركة الإنسانية ضد الإفلات من العقاب.

أطفال 21 آب/أغسطس 2013 لا يزالون يصرخون في ذاكرتنا: العدالة حق لا يسقط بالتقادم. سوريا الجديدة لا يمكن أن تُبنى على النسيان، بل على إحقاق الحق، وردّ الكرامة، وضمان ألا يتكرر الكيماوي مرة أخرى، لا في سوريا ولا في أي مكان من العالم.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني