
العدالة «والحماية» الاجتماعية في سورية في إطار الكفاءة الاقتصادية في المرحلة الانتقالية، 2026–2029
العدالة الاجتماعية.. معايير الكفاءة الاقتصادية
العدالة الاجتماعية هي مسؤولية رئيسة للدولة في ضمان توزيع عادل للدخل والثروة بين المواطنين. ولا مهرب من ذلك حتى وإن كان الاقتصاد. فالمسؤولية الاجتماعية لا تلغى أبداً. وهذا ما نسعى قوله إلى الحكومة الانتقالية في سورية الجديدة.
تُعد شبكة الحماية الاجتماعية في سورية أحد مظاهر العقد الاجتماعي الذي نجم عن نظرة الدولة إلى دورها منذ نهاية الخمسينات من القرن الماضي. وقد ترسخ هذا الدور من خلال سيطرة الدولة على مقدرات الاقتصاد الوطني وتخطيطه بصورة مركزية تقريباً. وهذا جعل من عناصر ومقومات شبكة الحماية الاجتماعية، بمفهومها السيادي وليس الوظيفي الاقتصادي، أحد أهم أدوات إدارة المجتمع وتأمين مستلزمات الأفراد المعيشية والمهنية.
ولهذا شملت شبكة الحماية الاجتماعية القائمة عناصر الإنتاج المتمثلة بتوفير التعليم المجاني، والصحة المجانية، والالتزام بالتشغيل والتوظيف لشريحة كبيرة من خريجي النظام التعليمي، ودعم أسعار الكهرباء والمياه، وعدد من أسعار المواد الغذائية الأساسية.
أولاً- مشاكل الاقتصاد الانتقالي
تمثل أفكار برنامج الإصلاح الاقتصادي التي بدأت تنتشر بقوة في مجالات التنمية ترجمة متقدمة لطموحات السوريين في سبيل تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية الوطنية. ومع أن الحكومة الانتقالية قد لمّحت إلى نيتها بتسريع العجلة الاقتصادية، إلا أن الخطوات التنفيذية لم تتبلور بشكل واضح لمعالجة أهم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الاقتصاد السوري بعد التحرير، وهي: النمو، والبطالة، والفقر.
النمو: تشير البيانات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد السوري قد انهار إلى نحو 40 مليار دولار عام 2025، إذ إن معدل نموه السالب قد بلغ 3% سنوياً منذ عام 2011. ومقابل ذلك لا يزال المجتمع يعاني من نمو سكاني مرتفع يقدَّر بحوالي 2.7% سنوياً، لمجموع السكان البالغ 25 مليون نسمة في عام 2025. وهذا يستهلك أي زيادة في النمو الاقتصادي.
البطالة: قُدِّر حجم البطالة الظاهرة في سورية بحوالي مليوني شخص عام 2025، أو ما يعادل 40% من إجمالي القوى العاملة. أما إذا أُخذت البيانات وفق مسح القوة العاملة فإنها تُقدَّر بأكثر من ذلك. ويُضاف إلى ذلك حوالي 250 ألفاً جديداً سنوياً يدخلون سوق العمل لأول مرة. وإذا ما أُضيفت البطالة المقنّعة فإن هذه النسبة ترتفع إلى حوالي 60%. وبعد التحرير يكون العبء كبيراً على سوق العمل إذا أُخذت في الاعتبار البطالة المقنّعة في القطاع العام (الهيئات والإدارات الحكومية وشركات القطاع العام)، وربما تكون نسبة كبيرة من هؤلاء معرضة لفقدان عملها الحالي إذا طُبِّق برنامج الإصلاح الإداري في القطاع العام. وهذا الوضع يخلق تحدياً حقيقياً لسوق العمل الرسمي ولسوق العمل الخاص كذلك، مما دعا الحكومة إلى البحث عن وسائل جديدة لإيجاد فرص عمل كافية.
الدخل والفقر: لم يتم إنشاء أو تحديث بيانات عن توزيع الفقر في سورية، وما هو متاح مجرد تخمينات مبنية على بعض المؤشرات العامة. ويمكن القول، حسب بيانات برنامج الغذاء العالمي للأمم المتحدة، إن نسبة المواطنين الذين هم تحت خط الفقر ويحتاجون إلى مساعدة غذائية تُقدَّر بنحو 90% من السكان عام 2025، ولا سيما في المناطق الريفية والنائية والعشوائية. ويُعرَّف الفقير عادةً بأنه من يحصل على أقل من 2200 سعرة حرارية يومياً في استهلاكه الغذائي. وتعطي هذه الطريقة نسباً مماثلة لطريقة البنك الدولي الذي يعرّف الفقير بأنه الفرد الذي يقل إنفاقه عن 420 دولاراً سنوياً، في حين أن متوسط الدخل الفردي في سورية هو بحدود 200 دولار تقريباً عام 2025.
وتُعد هيئة مكافحة البطالة أحد الأجزاء الرئيسة لشبكة الحماية الاجتماعية لمعالجة هذه المشاكل، من خلال تحقيق أهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي، وذلك بتوفير فرص للعمل وتوليد الدخل للأفراد، وكذلك تقديم خدمات أساسية عامة في المناطق الجغرافية الفقيرة. وفي هذا الإطار تولي الهيئة اهتماماً واضحاً في بلورة خطة النهوض الاقتصادي وبرامج التشغيل والتدريب التحويلي للعمالة المتأثرة بسياسة إعادة هيكلة مؤسسات القطاع العام وخصخصة بعض شركاته، بالإضافة إلى التأثير الإيجابي العميق الذي تتركه على الهيئات والإدارات الحكومية التي يتم التعامل معها من خلال أسلوب تنفيذها للمشروعات بصورة مؤثرة وبتكلفة منخفضة.
ثانياً- أهداف وأدوات شبكة الحماية
إن أهم أهداف هذه الشبكة، في ضوء التطورات الاقتصادية الأخيرة في سورية، تتلخص في إعادة الإعمار ووضع خطة النهوض الاقتصادي لتخفيف ومكافحة البطالة، ومعالجة الفقر، وتدعيم التنمية المحلية. إنه هدف يجب أن يُترجم، بعبارة أخرى، بأن على الدولة أن تنظم وسائل مساعدة المواطن في الحصول على حق العمل الكريم، والفرص المتكافئة في الحياة والعمل، وحرية اختيار أسلوب ومكان معيشته، في إطار الدولة الراعية والعقد الاجتماعي الناظم لطبيعة العلاقة الجديدة ما بين المواطن والدولة.
ولتحقيق هذا الهدف فإن شبكة الحماية الاجتماعية تضم عناصر ومكونات عديدة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية، من أهمها: هيئة مكافحة البطالة، ونظام التأمينات الاجتماعية، ومؤسسات الرعاية والإقراض الاجتماعي، ونظام تعويض البطالة، وتنظيم سوق العمل، وصندوق دعم الأسرة والمرأة والطفل، ودعم السلع والخدمات الأساسية للمواطنين مثل الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، وبعض المواد التموينية الأساسية كالخبز.
ولهذا أدى البدء بانتقال الاقتصاد السوري من مرحلة كانت فيها الحماية الاجتماعية مدمجة ضمن أهداف النظام الاشتراكي الذي اتسمت به نشاطات الدولة، إلى اقتصاد حر تلعب فيه الدولة دور الدولة الراعية لا المنتجة، إلى أن هناك فئات اقتصادية واجتماعية ستعاني من البطالة والفقر وربما التهميش السياسي. ولهذا فإن الشبكة تقوم على حزمة واسعة من المؤسسات وتدابير الدعم المؤسَّسة ليس فقط للفئات المتأثرة بعملية التحول الاقتصادي، وإنما لكافة الفئات التي تتطلب توفير تلك الحماية سواء قبل الإصلاح أو بعده.
ثالثاً- تحليل واقع الشبكة
يمكن القول إن الاقتصاد السوري والمجتمع السوري قد تفاجآ بحجم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي كانت كامنة، والتي تزامن ظهورها إلى العلن مع سقوط نظام الأسد، كما يلي:
1- التنافر السابق بين أطراف التشغيل
اختلت العلاقة الطبيعية بين أطراف التشغيل: أصحاب العمل، والعمال ونقاباتهم، والحكومة خلال السنوات الماضية، مما أدى إلى تراكم أعداد العاطلين عن العمل بصورة كبيرة.
وتقوم فعالية النظام الاقتصادي في أي مجتمع على تحقيق هدفي الكفاءة في الإنتاج والعدالة الاجتماعية في توزيع الدخل، اللذين فُوِّضت الدولة بتحقيقهما بناءً على العقد الاجتماعي بين أفرادها. وربما استناداً إلى هذا المبدأ العام في دور الدولة، ستتولى الحكومة الانتقالية تطبيق «نوع من الحماية الاجتماعية»، ولكن في إطار التقييد، وأكثر منه في إطار «المرونة»، التي تصاحب فلسفة الاقتصاد الحر التي انتهجتها الحكومة منذ 8 كانون الأول 2024.
ومع أن هذه الحماية المركزية المباشرة كانت محدودة ومقصورة على بعض فئات العمال والموظفين في الحكومة والقطاع العام، إلا أنها عانت من ثغرات كبيرة منذ البداية، واتسعت هذه الثغرات بصورة غير مقصودة بسبب الاختلال الهيكلي الاقتصادي العميق. ومع أن منافع السياسات الاقتصادية بدأت تظهر في مجالات تحرير الأسعار، إلا أنه صاحبها عدد من الآثار السلبية التي أدت إلى إضعاف بعض جوانب الحماية المتاحة، ومنها تزايد أعداد العاطلين عن العمل وعدم قدرة الاستثمارات على تلبية الطلب على فرص العمل الجديدة اللازمة.
إن «مدى الشمولية» التي يتم بها إنجاز سياسات التشغيل من الممكن أن يؤدي إلى تآكل مقومات التحالف الرسمي الذي فرضته الدولة بقوة القانون على أطراف التشغيل السابقة، وهي: القطاع الخاص، والنقابات، والقطاع العام، وبالتالي ازدياد درجة الفقر بين الفئات محدودة الدخل وتفشي البطالة. وهو ما يفرض بقوة ضرورة تحرير سوق العمل الذي يؤدي إلى خلق تحالف ودي بين أطراف التشغيل الجديدة، وهي: القطاع الخاص، ومكاتب الاستخدام والتأمينات، وهيئة مكافحة البطالة الاستثمارية.
2- مشكلة البطالة في سورية
تشير الإحصائيات إلى أن عدد العاطلين عن العمل يقارب مليوني شخص، وهؤلاء هم فقط ممن يرغبون بالعمل لدى القطاع العام ذي الأجور المتدنية بكل المقاييس. ومع ذلك فإن هذا العدد الكبير لا يزال ينتظر الدخول إلى الجنة الموعودة في وظائف القطاع العام، ولحسن الحظ فإن الحكومة الانتقالية قد أوحت للعاملين أن النية تتجه إلى تخفيض التوظيف لا إلى زيادته.
وإذا أُضيف إلى ذلك المشتغلون في القطاع الهامشي (غير النظامي)، فإن مشكلة البطالة تزداد تفاقماً. إن تقديرات أعداد العاملين في القطاع غير المنظم (العشوائي) تضعه بعض التقديرات بحوالي مليون شخص آخر. وهم يتظاهرون بأنهم يعملون ويحصلون على أجر، ولكنهم بالكاد يحصلون على حد الكفاف في المعيشة. ولولا ذلك لانضم هذا العدد إلى جيش العاطلين تماماً عن العمل، وارتفعت نسبة العاطلين إلى 40% من مجموع قوة العمل.
وأياً كانت التقديرات، فإن هذه الظاهرة تتصف في سورية بما يلي:
إن البطالة في المقام الأول هي مشكلة الشباب، وبصفة خاصة الداخلين إلى سوق العمل لأول مرة. وتُقدَّر نسبة بطالة الشباب ممن هم تحت 30 سنة بحوالي 82%، معظمهم من الأميين وخريجي المدارس الابتدائية والإعدادية.
– تتفاقم البطالة في الريف أكثر منها في المدينة، وهذا يفسر جزئياً بالهجرة من الريف إلى المدينة.
– تتزايد معدلات البطالة في المناطق النائية والفقيرة.
إن ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب والخريجين وكافة الشرائح الأخرى يتسبب بمشكلات كثيرة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية بسبب عدم مساهمتهم في الإنتاج.
ويمكن تلخيص آثار البطالة بما يلي:
آثار اجتماعية وإنسانية: زيادة نسبة الجريمة، الحرمان من الدخل بوصفه مصدر المعيشة، انخفاض المستوى الصحي والتعليمي، وتأثيرها على العلاقات الأسرية…
آثار اقتصادية: انخفاض الأجور، نقص الادخار، القبول بوظائف أقل من مستوى التأهل، انخفاض الإنتاج، ارتفاع تكلفة إعالة المتعلمين، قلة الحصيلة الضريبية.
آثار ديمغرافية: ازدياد الهجرة الداخلية والخارجية (هجرة الأدمغة)، ارتفاع سن الزواج.
آثار نفسية: كالإحباط والصراع وعدم الثقة بالنفس.
3- ضعف التأمينات الاجتماعية:
تُعد التأمينات الاجتماعية أحد أطراف التشغيل التي ترتكز عليها شبكة نظام التشغيل (الرسمية) في سورية منذ عام 1959، حيث أُنشئت مؤسسة التأمينات الاجتماعية لإدارة هذا النظام (بما فيها مؤسسة التأمين والمعاشات لموظفي الدولة والقطاع العام). ويُقدَّر عدد المشمولين في هذا النظام بحوالي 4 ملايين شخص، ويشكل هؤلاء نحو 55% فقط من مجمل القوة العاملة.
ويستفيد من تغطية التأمينات بكافة أشكالها موظفو الدولة والقطاع العام كافة، الذين يُقدَّر عددهم بحوالي مليوني شخص تقريباً. وهناك حوالي 1.5 مليون شخص يعملون في القطاع الخاص غير المنظم، بالإضافة إلى مليوني شخص عاطل لا يستفيدون من نظام التأمينات نهائياً.
وتبلغ مساهمة رب العمل في هذا الصندوق نحو 14%، بينما يساهم العامل بنحو 7% من الأجر المعتمد لدى التأمينات. ولكن نظراً لضعف متابعة الحكومة لتطبيق قانون التأمينات الاجتماعية، فإن الأجور المعتمدة لدى المؤسسة العامة للتأمينات عن القطاع الخاص عادة ما تقل بنسبة كبيرة عن الأجور الحقيقية. وحتى في القطاع العام، فإن هناك بنوداً كثيرة يتم استبعادها من إجمالي الأجر، مما يجعل المبالغ المتجمعة في الصندوق التقاعدي للفرد قليلة في أغلب الأحوال. ويُعد مجموع النسب النظرية لمساهمة رب العمل في بنود التأمينات، البالغة 27%، مرتفعاً إذا أُدرجت فيها كل نسب التقاعد والإصابة في العمل والتأمين الصحي والوفاة وغيرها.