
العدالة الاجتماعية.. آمال وتحديات
بمناسبة اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 20 شباط/فبراير
العدالة الاجتماعية ليست مصطلحاً يطلق إنّما هي دعوة لضمان حقوق الإنسان في مناحي الحياة جميعها: التعليمية، والرعاية الصحية، والعمل اللائق، والمساواة بين الجميع، بحيث يكون الأفراد كلّهم يستحقون فرصاً وحقوقاً متساوية اقتصادية، وسياسية واجتماعية دون أي تمييز مهما كان نوعه، وهذه امتيازات تطال الجميع من حيث توزيع الثروة داخل المجتمع، ولهذا أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 20 شباط/فبراير يوماً عالمياً للعدالة الاجتماعية يُحتفل به سنوياً وفقاً لقرارها (A/RES/63/199) بقصد تعزيز الجهود الدولية للقضاء على الفقر، والبطالة، وتحقيق المساواة بين الجنسين، وحقوق الإنسان، والعمل اللائق والمثمر، وضمان الوصول إلى الرفاه الاجتماعي، والعدالة للجميع؛ باعتبارها أسس السلام والتنمية المستدامة التي ترتكز على تعزيز العدالة في المجتمع بين الجميع، وقد أعلنت الأمم المتحدة عن إطلاق حملتها الاحتفالية لعام 2026 تحت شعار (الحماية الاجتماعية والعمل اللائق للجميع). وهذا ما تدعمه منظمة العمل الدولية من خلال إعلانها بشأن العدالة الاجتماعية، ومن أجل عولمة عادلة لضمان الوصول إلى الرفاه الاجتماعي المنشود في جميع مناحي الحياة.
وتأتي أهمية العدالة الاجتماعية بالعمل على تمكين الفئات المهمشة أن توصل صوتها لتحقيق التنمية، والتماسك الاجتماعي، ومعالجة الفقر والبطالة، وتوفير فرص عمل متساوية ولائقة للجميع دون أي تمييز قائم على أساس الأصل، أو الجنس، أو العقيدة، أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي، أو القومي…
وتسلط الأمم المتحدة الضوء هذا العام على موضوع “الحماية الاجتماعية والعمل اللائق للجميع” بتوجيه رسالة إلى الدول الأعضاء بغية جعل المجتمعات البشرية أكثر إنصافاً وقدرة لصون حقوق العمل، وتعزيزها لتحقيق نهج قائم على حقوق الإنسان، وتحقيق العدالة والإنصاف في جميع مجالات حياة الأفراد في المجتمعات.
والعدالة كمفهوم تهدف إلى الإنصاف والمساواة على عكس الظلم والجور والاعتداء، ومازالت طفلاً يدرج أولى خطواته في العلاقات بين الأفراد والجماعات والشعوب والدول رغم امتلاك البشرية لوسائل التكنولوجيا الحديثة، ومناداة المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة العمل الدولية لتعزيزها إذ تضيع في دهاليز الدول التي تتقهقر فيها الديموقراطية، وتتحكم بها أنظمة الاستبداد. لذلك سعت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والحقوقية والإنسانية لتنشيط مبادئ العدالة الاجتماعية وممارستها عملياً في جميع المستويات، وأهمها:
1- تكافؤ الفرص الذي يضمن للمواطنين فرصاً متساوية لتحقيق الاحتياجات في العمل، والتعليم، والمسكن، والغذاء، والتداوي، والعيش برفاهية…
2- المساواة، وهي أساس تحقيق العدالة بين الجميع على اختلاف انتماءاتهم، وعقائدهم، ووضعهم الاقتصادي أو الاجتماعي أو الوطني…، وتقليل الفوارق الطبقية في المجتمع.
3- التعايش السلمي، وهو أهم المبادئ في الأمم المتحدة، وبين الدول في ظل مستوى معيشي جيد يحقق للفرد حياة كريمة في دول تحترم القوانين، وتطبقها على الجميع دون تمييز ليس كضرورة أخلاقية وإنما كأساس للاستقرار والازدهار.
4- تعزيز الحوار بين منظمات المجتمع المدني، وبين الشعوب، والدول لتقوية صلات الصداقة، وتخفيف حدة النزاعات فيما بينها، ولزيادة فرص التعاون والاستثمار الاقتصادي من أجل العيش بسلام في أجواء مستقرة وآمنة.
5- نشر المحبة والإخاء والتسامح بين الأفراد في المجتمعات، وبين الشعوب، وهذا ما تحض عليه الشرائع لحفظ الكرامة الإنسانية للبشر جميعاً، وتنشيط أواصر الصداقة بين الشعوب، وكبح الأفكار العنصرية الداعية للتعصب والكراهية.
وهذه المبادئ تتيح احترام حقوق الإنسان، والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية للأفراد، والعيش الكريم، وممارسة الأنشطة في جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي تكوين النقابات، والانضمام إلى النوادي والمنظمات المدنية الناشطة في المجتمع.
ومع أن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والحقوقية والإنسانية تعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية بصور وممارسات متعددة إلّا أنّها تواجه تحديات تعترض مسيرتها، وتعيق عملها، وتحدّ من نتائجها الإيجابية، وأهمها:
1- نقص الوعي الثقافي والاجتماعي بمفهوم العدالة الاجتماعية إذ يسهم في عدم تحقيقها، وقد يشجع على بث روح التفرقة والكراهية بين الأفراد والجماعات والشعوب.
2- عدم احترام القوانين وتطبيقها في ظل غياب الديمقراطية، وعدم الالتزام بالقيم الاجتماعية يؤدي إلى التراجع في تحقيق سبل التعاون والعدالة في تلك المجتمعات.
3- انتشار الفساد يضعف روح التسامح والإخاء التي تسود المجتمع، ويسبب خللاً كبيراً في العلاقات بين الأفراد.
4- التفرقة بين الجنسين القائمة على النظرة الدونية للمرأة، وللطبقات الفقيرة والمهمشة تحدث شرخاً بين أفراد المجتمع، وتؤدي إلى صراعات اجتماعية، وتغذي روح الكراهية والبغضاء في غياب الإنصاف والمساواة في المجتمع.
5- الاستبداد وانعدام الحريات وغياب الديموقراطية يؤدي إلى سيادة الظلم، وإشاعة الفوضى وفقدان روح الألفة والتعاون بين الأفراد في المجتمع.
6- تسلط القوى العظمى على قرارات الأمم المتحدة، واستلاب قرارات الشعوب المستضعفة، ونهب ثرواتها يحدث خللاً كبيراً في العلاقات المتكافئة بين الدول، وينمّي الشعور بالقهر، ويزيد الفجوة اتساعاً بين الشعوب، ويقضي على أواصر التعاون والصداقة فيما بينها فتُفتقد الثقة، وتنتشر النزاعات، و تتسيّد روح الثأر والانتقام.
7- الخلل الاقتصادي المرتبط بالعولمة التي أفقدت الدول الفقيرة قدرتها على المنافسة فازداد الفقر وانتشرت البطالة بقوة، وافتقر العديد من سكان العالم إلى الخدمات الاجتماعية، وتقلص تكافؤ الفرص والإنصاف بشكل كبير بين المواطنين.
8- الهجرة بنوعيها الطوعية والقسرية في المجتمعات الطاردة تسبب هشاشتها، وتؤدي إلى تغيرات ديموغرافية تضعف الانسجام بين أفراد المجتمع.
9- عدم مصداقية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالتزاماتها المالية التي تترتب عليها يضعف قدرة الأمم المتحدة ويعوقها عن انجازات ملموسة للعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية.
وهذه التحديات تدفع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والحقوقية والإنسانية لمواجهتها والحد من آثارها، والبحث عن سبل تعزيز التعاون لتحقيق العدالة الاجتماعية بالعمل على:
1 ـ نشر الوعي بمفهوم العدالة الاجتماعية بشفافية، وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان ونشرها بطرق التعليم المدرسي والنوادي
2 ـ زيادة الاستثمارات في الصناعة، والتعليم والصحة والسكن وغيرها
3 ـ وضع برامج لمحاربة البطالة، وتأهيل الكوادر العاملة، وتأمين الموارد المادية والبشرية.
4 ـ العمل على تحقيق تكافؤ الفرص، والمساواة في توزيع الثروة، والحد من انتشار الفساد، وبث روح التعاون، والثقة، وكبح أفكار الكراهية التي تسبب النزاعات.
5 ـ العمل على تحسين الوضع الاقتصادي للأفراد، والحد من الهجرة، وتوفير فرص العمل للشباب.
6 ـ تعزيز الحوار بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وبث روح التسامح والإخاء، والعمل على إيقاف النزاعات التي ترهق موطني الدول المتنازعة.
7 ـ إلزام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتأدية التزاماتها المالية كاملة لدعم المنظمات الدولية والحقوقية والإنسانية؛ لتستطيع تحقيق برامجها في العمل لخير الإنسان ورفاهيته إذا ما صفت النوايا للعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية، ولا يدفعونها إلى أن تستنكر الزيف والخداع اللذين يكادان يغرقان العالم من حولنا في محاولة تحويله إلى تماثيل تتحرك في متحف شمع يصنّعونها على شاكلة ما يريد أصحاب المصالح…
يُروى
في عالمٍ يضطرب
اختفتِ العدالةُ قسراً؛
فتساءلوا: مَنْ…؟
همستْ يمامةٌ
إنّها رهينةُ
نفاقِ السّاسة
ودجلِ الكهنوت