الشرق الأوسط على أعتاب محور ثالث: ملامح التحالف السني الجديد

0

لعنة الجغرافيا السورية أنها بجوار مباشر مع رأس حربة غربي أو خنجر صنعه الغرب الاستعماري في خاصرة المشرق العربي كنقطة ارتكاز له لضمان الهيمنة على المنطقة وضمان عدم وحدتها مستقبلاً، وتم صناعة أيديولوجيا تلمودية لهذا الكيان لكي يُصبح دولة منبوذة في المنطقة لا يستطيع الاندماج فيها حتى لو أراد، بحيث يبقى حبله السري مرتبطاً بالغرب ولا يستطيع قطعه، وبالتالي بقاؤه كأداة فقط مهما قيل عكس ذلك، وهو ليس أكثر من جيش تم صناعة دولة له…

استراح الكيان الأزرق لحكم الأقلية في سوريا عبر العقود الستة الماضية، لكنه كشف عن وجهه الحقيقي بمجرد وصول حكم وطني إلى دمشق، حيث جنّ جنونه من التغيير الذي حصل، ولم يكن من سبيل أمامه إلا تدمير البنية العسكرية التحتية للجيش السوري وبقايا السلاح الثقيل، لأنه أدرك أن كل ذلك سيصبح عدواً له، وبدأ بإخراج مشاريعه من أدراج المكاتب والتي جوهرها هو إضعاف سوريا سواء عبر إنشاء كانتونات طائفية وإثنية متصارعة مع الدولة السورية والتي سيعاد بناؤها، وبشكل طبيعي ستكون دعائمها من الأغلبية السنية والتي تملك عمقاً استراتيجياً في المنطقة والعالم، وكان غرض الكيان المحتل أن تتحول سوريا إلى دولة فاشلة إن لم تتهيأ الظروف حالياً لتقسيمها، ويكون زرع الفيدراليات الإثنية والمذهبية مثمراً عندما تسمح الظروف بذلك…

الجوار الجغرافي الآخر لسوريا هو إيران الفارسية والتي انتقلت إلى خلافة شيعية عالمية في عام 1979 عندما وثب آيات الله إلى السلطة وأسسوا نظام ولاية الفقيه والذي لا يعترف بالحدود الوطنية للدول وتمكن من قيادة الشيعة في العالم، وكانت خططه الباطنة والظاهرة هي السعي للسيطرة على المسلمين في العالم قاطبةً، وكانت سوريا الأسد تمثل نقطة ارتكاز جاهزة له للبدء بتثبيت تلك الهيمنة، وكانت شعارات الموت لأمريكا وإسرائيل وتحرير فلسطين وبيت المقدس هي حوامل مشروعه المذهبي حيث حاول التقية عليه باستغلال تلك الشعارات العاطفية والبراقة لخديعة المسلمين السنة…

أصبحت سوريا نقطة صراع بين مشروعين، غربي تمثله إسرائيل وديني لاهوتي إمبراطوري تمثله إيران الشيعية، وكان واضحاً أن كلا المشروعين متناقضان بل متصادمان لا يمكن لهما التساكن والتعايش مع بعضهما..

بعد ضربات أيلول 2001 حاول الأمريكيون بتخبط وغباء الانتقام من المسلمين السنة بتقوية عدو نوعي لهم وهم الشيعية الجهادية والسياسية وإشعال الصراع الخامد منذ قرون، مع دعم الطرفين لئلا ينتصر طرف على آخر، وبذلك يقوى مشروعه عبر إسرائيل ويهيمن على المنطقة.

كانت الولايات المتحدة تأمل في حدوث تقاسم للنفوذ بينها وبين مشروع ولاية الفقيه، بحيث يكون التخادم الإيراني الإسرائيلي يؤمن مصالحهما ويسحق الأغلبية السنية في المنطقة والتي لم تتمكن بفعل عوامل عديدة من تأمين حد أدنى من بلورة مصالح مشتركة ممكن أن تتحول إلى تعاون ثم تحالف مستقبلاً للوقوف في وجه المشروعين الاستعماريين المتخادمين.

حتى إن روسيا أثناء سيطرتها على سوريا الأسد حاولت رعاية هذا التخادم وعملت على إدارة صراع منضبط بينهما في سوريا فيما عُرف حينها باستراتيجية جزّ العشب وتنظيم الضربات الإسرائيلية على خطوط برتقالية تعدّتها إيران..

أدركت الولايات المتحدة متأخرة فشل سياسة التخادم مع إيران بعد توقيع الرئيس أوباما للاتفاق النووي 2015، وفي أيار 2018 خرج الرئيس ترامب من الاتفاق، وفي بداية عام 2020 تم قتل قاسم سليماني وبدأت سياسة احتواء أمريكية إسرائيلية لإيران بعد تحطم الآمال السابقة.

سارت التطورات اللاحقة وفق حتميتها أو تطورها الطبيعي، فكانت لحظة الصدام الكبيرة في 7 أكتوبر 2023 وتحوّل التنافس والصراع إلى حرب صفرية مكشوفة..

كانت مآلات الصراع ستقود إلى الانفجار الكبير الذي حدث في 28 شباط الماضي، حيث لا بد لأحد المشروعين أن يزول إلى الأبد، ولأن المشروع الإيراني هو الأضعف نظرياً فقد تمكن المحور الآخر من تحديد ساعة الصفر ومحاولة فرض شكل وإيقاع الحرب على الخصم.

بعد اهتزاز عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي في طوفان الأقصى ظهر التنمر والتغول الإسرائيلي بأوضح صوره حيث انفلت عقال القوة والهمجية إلى جنون وكشف المستور وزيف كل دعايات السلام المزعوم سواء كان إبراهيمياً أو غيره، وتغيرت العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية بشكل تريد أن تُجهض أي خطر قبل تحوله إلى تهديد، وأدركت الدول العربية وتركيا الخطر الإسرائيلي (المغطى أمريكياً) المحدق بهم.

بدا المشهد واضحاً وليس كما تم الترويج له، حيث كانت السردية المشغول عليها وهي أن نظام ولاية الفقيه هو العدو لشعوب ودول المنطقة فقط، وأن إسرائيل حليف محتمل لدول المنطقة للتصدي للخطر الإيراني، وتهاوت مقولات الناتو الشرق أوسطي والناتو العربي الذي تكون فيه إسرائيل مركزه أو ثقله العسكري.

بتراجع الخطر الإيراني بعد 7 أكتوبر لم يظهر أن المنطقة ستدخل بسلام واستقرار بتراجع ذلك التهديد، وكشفت الأيام أن الخطر الإسرائيلي على دول المنطقة لا يقل عن الخطر الإيراني (إن لم يكن يفوقه في درجات)، وذلك لأن إسرائيل تملك إمكانية التأثير على القرار الأمريكي، وهو ما حدث فعلاً بالحرب الجارية الآن والتي يراها البعض أنها بتخطيط إسرائيلي وتنفيذ أمريكي..

أتاح التغيير الاستراتيجي في سوريا تبدلات عميقة وأساسية لتواصل جيوسياسي بين الخليج العربي وتركيا، وأتاح ذلك ربطاً جغرافياً كاملاً لمنطقة متجانسة سنية تمتد من البحر الأسود شمالاً إلى بحر العرب جنوباً…

بعد القصف الإسرائيلي للدوحة وإسقاط إسرائيل لكل المحرمات أو الخطوط الحمراء كانت الاتصالات السعودية الباكستانية قد تُوّجت بتوقيع اتفاق دفاع مشترك يتيح مظلة نووية للمملكة، فيما تسارعت الاتصالات التركية مع أبو ظبي والرياض والقاهرة لتبديد أي خلافات سابقة أو حصرها على الأقل في أضيق نطاق، وبدأ تنسيق سعودي مصري تركي لمجابهة مخططات إسرائيلية لتفتيت المنطقة انطلاقاً من السودان بعد أن فشل تقسيم سوريا، ولمحاصرة أي تمدد إسرائيلي في البحر الأحمر بعد الاعتراف بجمهورية أرض الصومال، وقامت المملكة بتصحيح الأوضاع في اليمن درءاً لأي تغلغل إسرائيلي.

لم يكن تصريح نتنياهو مفاجئاً لأحد حول الحرب المستعرة ضد محور شيعي يتداعى والاستعداد للمواجهة مع محور سني يتبلور، وستكون جبهة ذلك الحلف الأولى هي سوريا وتركيا، وتسعى إسرائيل لتطويق المنطقة بعد نشر منظومات رادار وصواريخ في قبرص وتفعيل التعاون مع اليونان وصولاً إلى جماعات انفصالية في ليبيا والسودان وأرض الصومال مروراً بدولة خليجية وانتهاءً بالهند والتي زار رئيس وزرائها مودي إسرائيل زيارة حميمية وصفت بالخطيرة جداً على المنطقة..

وبالتأكيد بعد العدوان الإيراني على دول الخليج تحت أي ذريعة ازدادت أهمية ولادة الحلف السني لمواجهة كل التحديات والأخطار الناجمة عن الصدام بين المحور الإسرائيلي الغربي والمحور الشيعي، حيث ثبت عملياً حتمية بناء قوة موازية رادعة لأطماع الحلفين المتحاربين الآن بغضّ النظر عن نتيجة الحرب الدائرة حالياً.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني