
الشرق الأوسط بعد سقوط الشعارات
في كل مرة نعود فيها إلى الحديث عن الإسلام السياسي، نجد أنفسنا أمام مرآة تكشف أخطاءنا نحن قبل أخطاء الآخرين. هذه الظاهرة لم تُصنع في مختبر غربي ولا خرجت من فراغ اجتماعي، بل هي جزء من تاريخ طويل من الإقصاء والاستبداد، ومن لعبة مصالح دولية لا تعرف الأخلاق.
الغرب حاول طويلاً أن يفهم الإسلاميين. أحياناً بدافع الخوف، وأحياناً بدافع التوظيف. بريطانيا كانت الأكثر براعة في قراءة المجتمعات العربية من الداخل. لم تأتِ إلينا بخطاب “نحن نعرف ما الذي يناسبكم”، بل تعلّمت لغتنا ودخلت في تفاصيلنا. على العكس من المدرسة الفرنسية التي ما زالت تصرّ على إعادة تشكيل الآخر على صورتها، حتى ولو بالقوة الناعمة أو حتى الجافة. هذا الفرق ليس نظرياً؛ لقد انعكس على السياسات وعلى شكل النفوذ داخل المنطقة.
لكن الحقيقة الأوضح هي أن الغرب لم يكتفِ بالمراقبة. لقد صنع بنفسه جزءاً من الوحش الذي يخشاه اليوم. دعّم الإخوان في مصر لكسر عبد الناصر، ثم وجد نفسه لاحقاً يخشى من وصولهم للحكم. سلّح “المجاهدين” في أفغانستان لقتال السوفييت، ثم عاد ليقصفهم بعد أن تغيّر اتجاه البندقية. الغرب لا يتحالف مع أحد إلا مؤقتاً، ولا يعادي أحداً إلا مؤقتاً. وكل ما هو خارج حدوده ليس إلا ورقة على طاولة لعبة الدول.
ومع الزمن، كبرت هذه التيارات وتحوّلت إلى قوة اجتماعية لا يمكن احتواؤها بالضغط الأمني وحده. هنا بدأت موضة “المراجعات الفكرية” والحوار مع “المعتدلين”. خطوة تبدو عاقلة على الورق، لكنها في الواقع تعاملت مع الإسلاميين وكأنهم مشكلة تقنية وليسوا تعبيراً عن أزمة مجتمعات كاملة. لقد نسي الجميع أن الناس القابعين تحت أنقاض القهر يبحثون عن شيء يصدقونه… ولو كان وهماً.
حين وصل الإسلاميون إلى الحكم في التجربتين الأكبر: تركيا ومصر، اصطدموا بالواقع الحقيقي للسلطة. إدارة الدولة ليست منشوراً على وسائل التواصل ولا خطبة في مسجد. ولحظة “التمكين” التي حلموا بها طويلاً كشفت الوجه الأكثر رعباً في المشروع: تحويل الدولة إلى أداة عقائدية. الغرب نفسه الذي ساعدهم يوماً، ارتبك وتراجع وتذكر فجأة أنه يدافع عن الديمقراطية… حين فاز خصومه فيها!
بعد عقدين من الحرب على الإرهاب، ومن سقوط مدن ونشوء أخرى، تغيّر كل شيء. الغرب لم يعد يرى الإسلام السياسي كحليف محتمل، بل كقوة يجب ضبطها وتحديد سقفها. وإيران، التي بنت نفوذها على جراح المنطقة، بدأت بدورها تفقد قدرتها على التمدد كما كانت تفعل.
لكنّ ما يرفض كثيرون فهمه هو أن الإسلام السياسي ليس جسماً غريباً يمكن اقتلاعه. إنه ابن الفقر، وابن الظلم، وابن الهوية المُهانة. لا يمكن هزيمته إلا إذا شعر الناس أن حياتهم تتحسن بدون الوعود الدينية الكبرى. المشكلة ليست في الدين.. المشكلة في من يحتكره ليحكم باسمه.
والسياسة في الشرق الأوسط ليست ملعباً مفتوحاً للمغامرات. إسرائيل موجودة في قلب كل معادلة، بوصفها المشروع الأكثر ارتباطاً بالغرب والأكثر خوفاً من أي تغيير قد يبدّل قواعد اللعبة. لذلك، كل محاولة لإعادة ترتيب المنطقة تمر من بوابة واحدة: الأمن الإسرائيلي أولاً.
نحن اليوم نعيش لحظة انتقال كبرى:
من الأيديولوجيا إلى الاقتصاد، ومن الشعارات إلى التكنولوجيا، ومن صراع الهويات إلى صراع البقاء نفسه.
الإسلاميون، والليبراليون، والقوميون… جميعهم أمام اختبار واحد:
ماذا يمكن أن تقدّموا للناس، لا ماذا يمكن أن ترفعوا من شعارات؟
المنطقة تستحق حياة بلا وصاية، وبلا آلهة على الأرض، وبلا قوى ترى نفسها مفوضة من السماء أو من واشنطن أو من موسكو. المستقبل لمن يستطيع بناء دولة عادلة، لا دولة ترفع المصحف على السيف، ولا السيف بلا مصحف.