
السوريون في ألمانيا.. كفاءات تربوية في المنفى: ما الذي يمنع المعلمين السوريين في ألمانيا من العودة؟
بعد أكثر من عشر سنوات على هجرة آلاف المعلمين السوريين إلى ألمانيا، ما تزال عودة الكفاءات التربوية إلى المدارس السورية مسألة معقدة وحساسة، رغم الحاجة الملحّة لإعادة بناء قطاع التعليم في مرحلة ما بعد التحرير.
فبين الرغبة الصادقة في العودة والمساهمة في الإعمار، وواقع مهني ومعيشي هش داخل سوريا، يقف المعلمون أمام قرارات مصيرية تمس مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم.
في هذا التحقيق، تستطلع نينار برس آراء خمسة معلمين سوريين في ألمانيا، بعضهم يزور سوريا حالياً، حول أبرز العوائق التي تحول دون عودتهم إلى التدريس في بلدهم.
بين الرغبة في العودة وواقع المهنة: لماذا يتردد المعلمون السوريون في ألمانيا؟
محمد حنان: العودة دون ضمانات تعني خسارة سنوات من التأهيل
يشير الأستاذ محمد حنان، مدرس الكيمياء والفيزياء في مدينة دويسبورغ، إلى أن المعلمين السوريين واجهوا مساراً طويلاً وشاقاً للدخول إلى سوق التعليم في ألمانيا، عبر برامج إعادة تأهيل وتدريب مهني استغرقت سنوات.
ويؤكد أن العودة اليوم تعني عملياً خسارة هذه المسارات المهنية دون وجود ضمانات قانونية واضحة تتيح للمعلم العودة إلى عمله في ألمانيا في حال لم تنجح تجربة الرجوع.
ويضيف أن ضعف الرواتب في سوريا، إلى جانب تعقيدات إدارية تتعلق بعدم إدراج عدد كبير من المعلمين المقيمين في الخارج ضمن ملاك وزارة التربية، وتهميش بعض الاختصاصات العلمية، تجعل قرار العودة شديد الصعوبة ما لم تُعتمد سياسات رسمية تحفظ الحقوق المهنية وتستثمر الخبرات المكتسبة في الخارج.
يامن العبد الله: الشوق للعودة لا يكفي في غياب بيئة تعليمية مستقرة:
يرى الأستاذ يامن العبد الله، معلم اللغة الإنكليزية من محافظة دير الزور، والمقيم في ألمانيا منذ أكثر من عشر سنوات، أن الظروف التي دفعت السوريين إلى الهجرة ما تزال، إلى حدٍّ كبير، قائمة اليوم.
ويعزو صعوبة العودة إلى ضعف الرواتب وعدم قدرتها على تأمين حياة كريمة، إضافة إلى غياب بيئة مهنية مستقرة تحترم الخبرة والتخصص وتوفّر حداً أدنى من الأمان الوظيفي.
كما يشير إلى فجوة واضحة بين المناهج وطرائق التدريس الحديثة التي اكتسبها المعلمون في ألمانيا، وبين الواقع التعليمي القائم في سوريا.
وعلى الصعيد العائلي، يوضح أن أبناءه باتوا مندمجين في النظام التعليمي الألماني، وأن تدمير منزله في حي التضامن بدمشق وغياب المسكن يشكّلان عائقاً إضافياً، رغم شوقه الكبير للمساهمة في إعادة إعمار بلده عبر التعليم.
نورس جسري: العودة دون أمان مهني مغامرة غير محسوبة:
يصف نورس جسري، مدرس اللغة الألمانية ومستشار الاندماج في مدينة كوخم، العودة للتدريس في سوريا بأنها مغامرة غير محسوبة، بسبب الفجوة الكبيرة بين الرواتب وتكاليف المعيشة وغياب التأمين الصحي، رغم المخاطر اليومية المرتبطة بالمهنة.
ويشير جسري إلى ضعف البنية التحتية للمدارس، نقص الوسائل التعليمية، وعدم وجود برنامج وطني أو دور فعال للنقابة يشجع الكفاءات على العودة.
ويضيف أن سنوات الخبرة خارج سوريا لا تُحتسب للنقابة أو التقاعد، ما يقطع الصلة بين التعليم السوري وخبراته في الخارج.
وختم بالقول إن خبرته في النظام الألماني، وماجستير الذكاء الاصطناعي، تجعل العودة دون إصلاحات شاملة خطوة غير واقعية حالياً.
إيناس البراقي: غياب الاستقرار هو العائق الأكبر:
تؤكد الأستاذة إيناس البراقي، مدرسة الرياضيات والمعلوماتية في مدينة فيتن الألمانية، أن المشكلة الأساسية لا تقتصر على فارق الدخل الشهري، بل تتعلق بغياب الاستقرار بمفهومه الشامل.
فالنظام التعليمي في ألمانيا يضمن راتباً ثابتاً، وتأميناً صحياً، واحتراماً مهنياً لدور المعلم، بينما يفتقر الواقع التعليمي في سوريا إلى هذه المقومات، سواء من حيث ضعف الرواتب أو محدودية الإمكانات أو غياب وضوح المستقبل المهني.
وتضيف أن عدم الاعتراف بالخبرات المكتسبة في الخارج، إلى جانب القلق على مستقبل الأطفال، يجعل قرار العودة محفوفاً بالمخاطر، رغم الرغبة الصادقة لدى كثير من المعلمين بالمساهمة في إعادة بناء قطاع التعليم.
أمير بارودي: معادلة العودة غير ممكنة حالياً
من موقعه كمؤسس ورئيس جمعية المعلمين السوريين في ألمانيا، وأثناء زيارته الحالية إلى سوريا، يقدّم الأستاذ أمير بارودي رؤية شاملة للعوائق.
ويشير إلى تدهور مستوى التعليم في المدارس النظامية، ما أدى إلى انتشار المدارس الخاصة، خاصة في مدينة حماة. ويؤكد أن أحد أبرز التحديات يتمثل في تعليم الأطفال الذين اعتادوا على نظام تعليمي متطور في ألمانيا، ويواجهون صعوبة كبيرة في المناهج السورية، لا سيما في المراحل المتوسطة والثانوية وباللغة العربية الأكاديمية.
ويعتبر بارودي أن الجانب المادي هو العائق الأبرز: راتب المدرس في سوريا لا يتجاوز 100–200 دولار، في حين يتجاوز إيجار المنزل هذا الرقم، وهو لا يملك مسكناً بعد تدمير منزله خلال الحرب.
ويتساءل بواقعية: “كيف أُطعم أولادي؟ وكيف أسجّلهم في المدارس؟”، مؤكداً أن المعلم العائد لا يندمج بسهولة في النظام التعليمي السوري بسبب عوائق تعليمية وتربوية ومادية متراكمة.
عودة المعلمين ليست قراراً فردياً بل مشروع دولة:
تكشف شهادات المعلمين الخمسة أن قرار العودة لا تحكمه الرغبة أو الحنين وحدهما، بل تحكمه معادلات واقعية قاسية: دخل غير كافٍ، غياب الأمان المهني، مستقبل تعليمي غامض للأطفال، وعدم وجود سياسات واضحة لاستيعاب الكفاءات العائدة.
ومع ذلك، يجمع جميع الضيوف على استعدادهم للمساهمة في إعادة بناء التعليم السوري متى ما توفرت بيئة آمنة، مستقرة، وتحترم خبراتهم.
فعودة المعلمين ليست مسألة شخصية، بل استحقاق وطني يتطلب رؤية واضحة وإرادة سياسية حقيقية لإحياء قطاع التعليم بوصفه حجر الأساس في إعادة بناء سوريا ما بعد الأسد.