
السوريون في ألمانيا: المرأة بين الحقوق والحريات في الوطن والمهجر
لم يكن خروج المرأة السورية من بلادها خياراً، بل فعل نجاة لها ولأسرتها من حرب دمّرت الحجر والبشر ومن نظام صادر الحرية والسياسة معاً. في ألمانيا، وجدت النساء أماناً جديداً، لكن التحديات لم تنتهِ بالغربة؛ فقد واجهن واقعاً يمنحهن اسماً قانونياً وقراراً مستقلاً وحدوداً واضحة لما يُسمح به في حياتهن ومستقبل أطفالهن.
بعد أكثر من عقد على هجرة السوريين، لم تعد المرأة مجرد متلقية للسياسات، بل فاعلة في حياتها الأسرية والمهنية، وصار وعيها بحقوقها ممارسة يومية.
مع تحرير سوريا في كانون الأول/ديسمبر 2024، عاد السؤال المحوري: هل العودة حق كامل، أم مخاطرة قد تعيد خطوات المرأة إلى الوراء؟
في هذا التحقيق الإنساني، تفتح نينار برس ملف المرأة السورية في ألمانيا، مستطلعة تجارب خمس نساء سوريات يروين قصصهن عن التحولات التي عاشتها المرأة بين وطن غادرنه قسراً وبلد احتضنهن بالقانون، وكيف صارت قراراتهن اليوم ترتكز على الخبرة والاستقلالية والأمان المؤسسي.
ريم صبحي العبد الله: التربية رسالة… والعودة باسم الأطفال:
تشكل التربية الخيط الناظم في حياة ريم، سواء في سوريا أو ألمانيا. عملت سنوات على تدريس التربية الإسلامية، معتبرة المادة مساحة أخلاقية وإنسانية:
“سبحان الله، منحني الله قدرة كبيرة على جذب الطلاب للاهتمام بالدين والمادة.”
في ألمانيا، واجهت عوائق من بينها ارتداء الحجاب، لكنها انتقلت من العمل التطوعي إلى عقد دائم مع منظمة كاريتاس منذ 2021. عن العودة تقول:
“أطفالي هنا… وإذا قرروا البقاء، أشعر أن مصيري مرتبط بهم.”
“في ألمانيا هناك حد أدنى من العيش الكريم… هذا غير متوفر الآن في سوريا.”
“أرغب بالعودة إلى سوريا… بدون لكن.”
تمثل ريم نساء كثيرات ترى أن التربية والتعليم هما جسر المستقبل، لكن قرار العودة مرتبط بأطفالها واستقرارهم.
أم مصعب: حين تصبح الحقوق مسألة بقاء:
أم لأربعة أطفال ومنفصلة عن زوجها، تجد في ألمانيا حماية قانونية لم تكن متاحة في سوريا:
“الفرق الحقيقي لم يكن مادياً، بل قانونياً.”
القانون منحها أماناً فعلياً في السكن والحضانة، مما مكّنها من متابعة عملها وأداء دورها الأسري، لكنها تحذر:
“لا أستطيع ضمان حضانة أطفالي أو حمايتي في سوريا.”
“المرأة السورية جبّارة… وجودنا في هذه الحياة له رسالة.”
تؤكد أم مصعب أن الحماية القانونية والاستقلال المالي هما الأساس لاستمرار المرأة في أي مجتمع، وأن العودة إلى سوريا تتطلب ضمان حقوقها أسوة بالمهجر.
بيداء وليد نصرالله: بناء جسور بين المنفى والوطن:
وصلت بيداء إلى ألمانيا عام 2015، أم لطفلين وزوج مريض، لتجد نفسها أمام مسؤوليات مركّبة. بدأت عملها مع المرأة والطفل من التطوع، ووصلت إلى وظيفة رسمية، مكتسبة خبرة اجتماعية وإدارية واسعة:
«في سوريا القانون موجود، لكنه لا يُطبَّق دائماً… هنا أشعر بالحماية لي ولأطفالي.»
الهجرة منحتني وعياً أكبر بأهمية الأولويات الأسرية والمهنية وإدارة التحديات اليومية:
«أي قرار بالعودة يعتمد على أمان الأطفال واستقرارهم، مع فرصة لتطبيق خبراتي في المجتمع الجديد.»
وترى بيداء أن العودة ممكنة فقط ضمن خطة شاملة توفر حماية قانونية واجتماعية:
«أرغب بالعودة، لكن يجب أن تكون هناك مؤسسات قوية تضمن الأمان والاستقرار لعائلتي.»
نور لؤي معمار: البقاء خيار الأمان
نور، مدرسة لغة إنجليزية وأم لطفلين، بعد انفصالها من زوجها تعتبر نفسها صاحبة مسؤولية وقرار فعلي في حياتها:
«نعم، أملك حرية اتخاذ قرار العودة أو البقاء. لدي طفلان، وأتولى مسؤوليتهم بالكامل، وهذا يمنحني حرية أكبر في اختياراتي.»
عن شعورها بالاعتراف والكرامة المهنية:
«عندما وقّعنا العقد، شعرت لأول مرة أن جهدي مقدَّر وأنني محسوبة.»
«أُعامل كبني آدم مستقل… هذا لم أجربه في سوريا.»
وتعتبر حماية الأطفال أولوية قصوى:
«هنا الدولة تحمي الأطفال، وتضمن لهم حقوقهم في الرعاية والتعليم والكرامة.»
«المكان الذي أشعر فيه بالأمان والأمانة هو هنا.»
نور تؤكد أن القانون وحده لا يكفي إذا لم يصحبه مجتمع واعٍ، وأن الاستقرار النفسي والاجتماعي جزء من حق المرأة في العودة.
دانية موفق حمود: الخبرة والوعي… أمل مشروط بالاستقرار:
تحمل دانية خبرة مهنية من سوريا، عززتها في ألمانيا بإطار قانوني واضح، حيث ترى أن الاستقلال الحقيقي لا يُصنع بالشخصية وحدها، بل بالمؤسسات:
«في ألمانيا، أصبح الاستقلال مؤسسياً… وجود نظام محدد للحقوق والواجبات يحمي المرأة ويضمن استمرارية استقلالها.»
الغربة جعلتها أكثر وعياً بأهمية الأسرة والمجتمع، وقدرتها على الموازنة بين الخصوصية والانتماء وحماية أطفالها:
«أي قرار بشأن العودة يُتخذ أولاً بناءً على مصلحة الأطفال، مع ضمان نظام تعليمي يحافظ على هويتهم.»
«أرغب بالعودة، ولكنني بحاجة أولاً لرؤية استقرار مؤسسي وخطوات عملية تضمن الأمان لجميع أفراد عائلتي.»
العودة ليست حنيناً… بل عقد ثقة مع الدولة:
تتقاطع شهادات النساء الخمس عند حقيقة واحدة: الحرية ليست شعاراً يُتداول، بل ممارسة يومية تحميها القوانين ويعزّزها وعي المرأة بحقوقها واستقلالها. الاستطلاعات تؤكد أن العودة لا يمكن أن تكون مجرد حنين للوطن، بل يجب أن تكون آمنة ومؤسسية ومضمونة قانونياً واجتماعياً. المرأة السورية في المهجر لم تعد شاهدة صامتة، بل فاعلة، وخبرتها القانونية والاجتماعية قد تصبح حجر أساس في إعادة بناء سوريا.
اليوم، تواجه الحكومة اختباراً حقيقياً: هل ستوفر بيئة جاذبة وآمنة للمرأة السورية، تضمن استقلالها وحماية حقوقها بعد كل تضحياتها؟ هل ستجعل العودة حقاً مضموناً يشمل العدالة والحماية، وتكون شريكاً فاعلاً في صياغة المستقبل، لا مجرد مستخدم لشعارها؟ فالنساء السوريات لسن عبئاً على المستقبل، بل أحد مفاتيحه الأساسية، وعودتهن قرار مؤسسي يجب أن يحوّل خبرات الغربة إلى قوة لإعادة الوطن، لا مجرد حنين إليه.