
السوريون في ألمانيا: العيد بين ذاكرة الوطن وصناعة الفرح في الغربة
في مدن ألمانية هادئة تتغير فيها إيقاعات الحياة اليومية مقارنة بالمدن السورية التي تركها اللاجئون خلفهم، لا يغيب العيد عن الذاكرة، لكنه يتبدل في شكله ومعناه معاً.
نينار برس رصدت كيف يحاول السوريون في ألمانيا إعادة تشكيل أجواء عيد الفطر، ليس بوصفه مناسبة دينية فحسب، بل مساحة اجتماعية ووجدانية تتقاطع فيها العائلة مع الذاكرة والهوية وتجربة الغربة.
وبين البيوت والمراكز الإسلامية والمساجد، تتوزع محاولات فردية وجماعية لإحياء طقوس العيد، في ظل واقع جديد يفرض إيقاعه المختلف على تفاصيل الحياة اليومية.
العيد في الذاكرة السورية:
يستعيد السوريون العيد في بلادهم كمساحة مكتملة الملامح، قوامها العائلة والمدينة والطقوس اليومية. يقول سراج الدين الكدرو: “في سوريا كان العيد مختلفاً وله طعم مميز، خصوصاً بوجود الوالدين… أول عيد بعد فقدان شخص عزيز يكون له شعور مختلف.”
ويضيف: “كنا ننزل إلى السوق من منتصف رمضان، والأسواق تبقى مفتوحة حتى الليل… كانت من أجمل صور العيد.”
ويصف رشيد الدندل العيد بوصفه امتداداً للحياة الاجتماعية:
“كنا نشتري ملابس العيد وننظف البيت ونجهز لاستقبال الناس، وبعد صلاة العيد نجتمع في بيت العائلة الكبير.”
ويضيف: “كنا نذهب إلى المقبرة لزيارة موتانا وقراءة الفاتحة.”
وتلخص السيدة عائشة (أم لمار) المشهد بقولها: “كان كل شيء يلمع في البيت والفرحة في كل مكان… ثياب جديدة وضيافة وحلويات.”
عيد بلا ملامح مألوفة في الغربة:
في ألمانيا، تتراجع الطقوس التقليدية للعيد بشكل واضح. يقول الكدرو: “في العيد الماضي كنت أعمل أنا وإخوتي في أول يوم العيد.. لا توجد عطلة رسمية هنا.”
وتضيف السيدة عائشة: “لا توجد أي تحضيرات هنا، فقط نبلغ المدرسة بغياب الطفل يوم العيد.”
ويشير الكدرو إلى محدودية التفاعل الاجتماعي:
“الجيران الألمان غالباً يكتفون بتهنئة بسيطة أو هدايا.”
ورغم ذلك، يحاول السوريون خلق بدائل اجتماعية عبر تجمعات عائلية أو جالية تعوّض غياب “اللمة” الكبيرة.
أطفال بين ذاكرة لا تُورَّث وتجربة جديدة:
الأطفال يعيشون العيد بين رواية الآباء وتجربة مختلفة تماماً. يقول الكدرو: “نحاول أن نجعل رمضان كله أيام فرح… ونقدم هدايا للأطفال.”
وتوضح السيدة عائشة: “ابنتي لا تعرف العيد كما عرفناه نحن، فقط عيدية وملابس جديدة.”
وتضيف: “لا أريد أن أنقل لها ذكريات العيد في سوريا حتى لا تشعر بالحرمان.”
ويؤكد رشيد الدندل: “نحرص أن يعيش الأطفال العيد بكل فرح وسرور.”
المساجد والمبادرات البديلة:
تلعب المساجد والمراكز الإسلامية دوراً محورياً في تعويض غياب الطقوس. يقول الدكتور مطاع الدروبي:
“نستقبل آلاف الزوار وننظم فعاليات للأطفال تشمل الألعاب والهدايا.”
ويضيف: “نفتقد الجو الأسري والعائلة الكبيرة، لذلك نحاول نقل هذا الشعور للأطفال.”
ويشير إلى حضور مجتمعي أوسع: “حتى رئيس البلدية يشارك أحياناً في الفعاليات.”
وتظهر مبادرات أهلية مثل “ماذا لو؟” التي تقودها الطفلة هنا أحمد الموسى، وتقول والدتها علا السليمان: “فكرة المبادرة بدأت من سؤال ابنتي: ماذا لو أوصلنا فرحة العيد للجميع؟”
وتضيف: “في ليلة العيد سنوزعنا أكياس حلويات على الأطفال.”
وتؤكد: “كل الأطفال سيحصلون على كيس حلويات بلا استثناء.”
الهوية بين الاندماج والحنين:
بين الانتماء للمجتمع الجديد والحفاظ على الهوية، تتباين التجارب. يقول الكدرو: “الترابط مع المجتمع الألماني محدود لأن كل طرف منشغل بحياته.”
وتضيف السيدة عائشة: “قليل من الألمان يرغبون بالتعرف على تقاليدنا.”
في المقابل، يرى الدروبي أن هناك انفتاحاً نسبياً:
“نفتح الفعاليات للجميع وندعو غير المسلمين للتعرف على ثقافتنا.”
ويحاول السوريون تعويض غياب العائلة الكبيرة عبر تجمعات صغيرة تعيد إنتاج معنى “اللمة” بشكل جزئي.
العيد كمعنى إنساني:
رغم اختلاف السياقات، يتفق الضيوف على أن العيد يتجاوز مظاهره.
يقول الكدرو: “العيد ليس مجرد ملابس وأكل وعيديات، بل هو فرح وصلة رحم.”
ويضيف الدندل: “العيد هو لمة الأحباب ووضع الخلافات جانباً.”
وتختصر السيدة عائشة المعنى: “العيد الحقيقي هو اجتماع الناس… وهذا ما نفتقده هنا.”
بين وطنين وذاكرة لا تنطفئ:
يبقى العيد بالنسبة للسوريين في ألمانيا مساحة معلّقة بين ما كان وما يُحاولون إعادة صياغته في الغربة.
فهو تجربة إنسانية تتداخل فيها العائلة مع الحنين، ومحاولة بناء واقع جديد لا يعوّض بسهولة فقدان البيئة الأولى.
ومع كل فعالية أو مبادرة أو تجمع عائلي، تتجدد المحاولة ذاتها: استعادة الفرح في سياق مختلف.
لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل يمكن نقل روح العيد إلى الجيل الجديد كما عاشها الآباء، أم يتحول مع الزمن إلى ذاكرة تُروى أكثر مما تُعاش؟