
بعد أكثر من عقد على وصول مئات الآلاف من السوريين إلى ألمانيا هرباً من الحرب وإجرام نظام الأسد، لم يعد العمل مجرد وسيلة للبقاء أو الاستقرار، بل أصبح اختباراً طويلاً بين الاندماج والاستنزاف. تعلم اللغة، البحث عن فرص عمل، والتنقل من وظائف بسيطة إلى مناصب مستقرة أو متخصصة… كل ذلك شكل مسارات مهنية معقدة، دفعت أثماناً نفسية واجتماعية لا تقل عن مكاسبها الاقتصادية.
ومع تحرير سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024، يطرح السؤال: كيف يمكن للسوريين الذين راكموا خبرات مهنية في ألمانيا توظيفها في إعادة بناء وطنهم؟ وهل كان العمل في المنفى محطة اندماج حقيقية أم تجربة استنزاف مؤجلة العائد؟
في هذا التحقيق، تستطلع نينار برس تجارب خمس شخصيات سورية من قطاعات مختلفة، لكل منها مسار فريد، لرصد ما حمله العمل لهم، وما أخذ منهم، وكيف يمكن تحويله إلى رصيد وطني في سوريا المستقبل.
فراس اليونس: صدمة اللغة وبداية المسار المهني:
فراس اليونس، مهندس إدارة مشاريع في شركة “دويتشه بان”، بدأ رحلته العملية بوظيفة في سوبرماركت، قبل أن ينتقل تدريجياً إلى التدريب المهني والعمل في مؤسسات كبرى.
يتذكر بداياته: «الصدمة اللغوية أربكتني كثيراً، وشعرت أن لغتي ضعيفة… كان عليّ أن أتعلم كل شيء من الصفر».
ورغم النجاح المهني الذي بنى سيرة ذاتية قوية، كانت هناك تكلفة شخصية: «العمل بدوام كامل جعل العلاقات الاجتماعية محدودة جداً، وأجّل كثيراً من أحلامي».
ويرى فراس أن الخبرة التي اكتسبها يمكن أن تتحول إلى قيمة وطنية:
«يمكن نقل ما تعلمته هنا إلى سوريا، سواء عبر العودة المباشرة أو شراكات وبرامج تدريبية منظمة من الخارج».
تجربة فراس تبرز أن الإصرار المهني يمكن أن يخلق استقراراً وقدرة على التأثير في بيئة جديدة ومعقدة، لكنها تأتي بثمن شخصي وجسدي ونفسي.
الدكتور محمد حنيش الحسين: مهنة تحت ضغط دائم:
في القطاع الطبي، واجه الدكتور محمد حنيش الحسين، اختصاصي جراحة عصبية، تحديات مضاعفة، شملت معادلة الشهادة، وتعلم اللغة الطبية، والتكيّف مع نظام صحي صارم.
«نقضي معظم حياتنا في العمل من السادسة صباحاً حتى السادسة مساءً… العلاقات الاجتماعية محدودة، والضغط النفسي والجسدي مستمران».
ورغم الصعوبات، يرى الدكتور محمد حنيش أن التدريب في ألمانيا شكّل رصيداً وطنياً حقيقياً: «أجريت عمليات جراحية في سوريا بعد التحرير، والأطباء السوريون مستعدون لتقديم خبراتهم للوطن… المعرفة المكتسبة هنا ثروة وطنية».
تجربة الدكتور حنيش تؤكد أن التحديات المهنية تمنح مهارات قابلة للتحويل وتضيف قيمة وطنية يمكن استثمارها لاحقاً في بناء قطاع صحي قوي.
دانية موفق حمود: العمل استعادة للذات:
الأستاذة دانية موفق حمود، المتخصصة في الإعلام والدراسات الإسلامية، والعاملة الاجتماعية القادمة من دمشق، وأم لطفلين، ترى أن العمل كان أكثر من التزام اقتصادي، بل وسيلة لإعادة بناء الذات:
«قدّمت صورة مختلفة عن المرأة السورية المحجبة: امرأة متعلمة، مستقلة، ناجحة في العمل وتحافظ على أسرتها».
وتكشف عن صعوبة الموازنة بين الحياة المهنية والعائلية: «العمل أخذ مني جزءاً من طاقتي وراحتي، وأحياناً شعوري بالسكينة».
“أصعب تحدٍ واجهته كان الموازنة بين العمل، الدراسة، والأمومة، وحماية نفسي نفسياً وجسدياً، مع الشعور الدائم بضرورة إثبات كفاءتي.”
وتضيف عن إمكانية تحويل الخبرة المكتسبة إلى مشاريع وطنية:
«كل ما تعلمته هنا هو رصيد يمكن استثماره في سوريا… أحلم بمشروع يجمع بين الإعلام والعمل الاجتماعي والتربوي ويدعم النساء والأطفال».
خطاب محمد العبد الله: الطموح المؤجل من أجل العائلة:
الأستاذ خطاب محمد العبد الله، مدرس لغة إنجليزية، يختصر تجربته بمعادلة التضحية والمسؤولية: «كنت أعمل فقط من أجل تأمين المعيشة… كل طموحي المهني أجلته من أجل مستقبل عائلتي».
ويضيف عن بداياته: «بدأت العمل فور حصولي على الإقامة، عملت في الإنشاءات ثم في البريد لثماني سنوات… لم يكن هناك وقت للتفكير».
ورغم ابتعاده عن مهنته الأساسية، يرى أن التجربة لم تذهب سدى:
«حتى الوظائف البسيطة وحالياً العمل التجاري الخاص في سوبرماركت علمتني إدارة الوقت والصبر على الضغوط… وهي خبرة وطنية يمكن الاستفادة منها».
«طموحي الأصلي في التعليم ما زال معي في قلبي».
قصته تبرز البعد الإنساني للتضحيات اليومية وكيفية تحويلها إلى خبرة عملية يمكن استثمارها في مشاريع وطنية مستقبلية.
إبراهيم محمد الفتحي: الاستقرار المهني وحدود الاندماج:
المهندس إبراهيم محمد الفتحي، المدير التسويقي الإقليمي لشركة ألمانية، يرى أن العمل منحَه استقلالاً مادياً ونفسياً وساعده على فهم المجتمع الألماني بعمق أكبر: «صرت أعرف عاداتهم وطريقة تفكيرهم».
لكنه يوضح ضغوط العمل والعزلة الاجتماعية: «أحياناً تشعر أنك أسير العمل؛ دوام طويل، تعود متعباً، وتنتظر العطلة الأسبوعية لتستعيد أنفاسك».
وتظهر التحديات الثقافية والدينية حتى في التفاصيل اليومية: «حتى في المناسبات الاجتماعية، نضطر للسؤال عن محتويات الطعام من الكحول أو لحم الخنزير… هذا الاختلاف يعمّق الإحساس بالمسافة الثقافية».
رغم ذلك، يؤكد إبراهيم أن الخبرة المكتسبة، ومهارات التنظيم والتحليل وبناء العلاقات المهنية، يمكن أن تشكّل أساساً لمساهمة حقيقية في بناء سوريا المستقبل:
«حتى مع التعب والإرهاق، يمكن تحويل الخبرة لبداية جديدة».
كوّنت شبكة علاقات ومعارف واسعة مع شركات عالمية، خاصة في الدول العربية، وكذلك معارف مهنية في شركات ضمن العالم العربي. هذه الشبكة بحد ذاتها تُعد قيمة مضافة كبيرة.
خبرات المنفى… رصيد للوطن:
تعكس هذه الشهادات رحلة السوريين بين البحث عن الأمان وتحمل كلفة الاستنزاف اليومي. فالعمل في المنفى فرضته الحاجة، رافقته ضغوط وأحلام مؤجلة، لكنه منحهم خبرات مهنية وتنظيمية عالية تشكّل اليوم رصيداً وطنياً حقيقياً.
ويبقى السؤال الأكبر الآن: هل ستتوفر البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصادقة في سوريا الجديدة لتوظيف هذا الرصيد في بناء وطن مستقر؟ هؤلاء السوريون جسور أمل بين الغربة والوطن، وعناوين قوة سورية تستحق أن تُسمع وتُستثمر.