في شوارع ألمانية هادئة، حيث يغيب صوت الأذان وتستمر الحياة بإيقاعها المعتاد، يسعى السوريون في ألمانيا إلى استعادة روح رمضان التي تركوها خلفهم.
صحيفة نينار برس رصدت كيف تحولت موائد الإفطار الجماعي في المساجد والمراكز الإسلامية إلى مساحة تجمع الألفة الأسرية بالهوية الدينية، وتعيد للأطفال فرحة اللقاء والمشاركة، بينما يجد الكبار في هذه اللقاءات فرصة لاستحضار ذكريات الوطن.
بين أطباق تقليدية وضحكات الأطفال وأحاديث الكبار عن الحنين، يبدو رمضان في الغربة كجسر يربط الماضي بالحاضر. كل وجبة درس في الكرم، وكل ابتسامة تذكير بأن الروح السورية قادرة على البقاء حيّة رغم البعد عن الوطن.
العائلة والأطفال:
مع اقتراب أذان المغرب، تتوافد العائلات إلى المركز الثقافي الإسلامي في مدينة فيتن، يحمل بعضهم أطباقاً أعدّوها في منازلهم، بينما يركض الأطفال بحماس للقاء أصدقائهم بعد يوم طويل من الصيام. تختلط ضحكات الصغار بأحاديث الكبار، فيستعيد المكان شيئاً من أجواء رمضان التي عرفها السوريون في بلدهم.
تقول أم عماد إن أكثر ما يمنحها الطمأنينة هو رؤية أطفالها يضحكون ويلعبون بحرية، وكأن جزءاً من الوطن عاد إليهم للحظة.
أما أبو عماد فيستعيد سنواته الأولى في الغربة، موضحاً أن رمضان كان صعباً عندما عاشه وحيداً بعيداً عن العائلة، لكنه اليوم يشارك فرحة الإفطار مع أطفاله، مؤكداً أن الغربة ليست مجرد العيش في بلد آخر، بل شعور بالوحدة أيضاً، وأن هذه اللقاءات تخفف كثيراً من هذا الإحساس.
ويرى المهندس حسام، مدير المجمع الإسلامي في دوسلدورف، أن هذه اللقاءات تتجاوز كونها مائدة إفطار، فهي مساحة اجتماعية وتربوية تعزز قيم الكرم والمشاركة، وتساعد الأطفال على الشعور بالانتماء مع الحفاظ على هويتهم الدينية والثقافية.
ولأجل ذلك يخصص المركز غرفة للأطفال للعب بين فترات الصيام، ما يمنحهم مساحة للمرح وتكوين صداقات تتجاوز الجغرافيا واللغة، ويعيد إلى قلوبهم شيئاً من أجواء الوطن.
لقاء الثقافات:
تتسم موائد الإفطار الجماعي بتنوع ثقافي واضح، حيث تجتمع عائلات من سوريا ومصر ولبنان والعراق والمغرب، إلى جانب مشاركين من جنسيات أوروبية وإفريقية. هذا التنوع يحوّل المائدة الرمضانية إلى مساحة تلتقي فيها الثقافات والذكريات، بينما يجمعها شعور واحد بالانتماء وروح المشاركة.
يصف د. مطاع الدروبي، أحد مؤسسي المبادرة، هذا المشهد قائلاً إن الاجتماع حول المائدة يشبه اجتماع المسلمين في الحج، حيث يشارك الجميع الطعام والضحكات، لكن لكل طبق نكهته الخاصة، كما لكل شخص حكايته مع الحنين إلى الوطن.
ويشير عمر شمعون إلى أن اللقاءات الأسبوعية تمنح المغتربين فرصة لاستعادة الأجواء العائلية الرمضانية التي اعتادوا عليها في بلدانهم، موضحاً أن الأطفال يلعبون معاً وكأنهم يعرفون بعضهم منذ زمن طويل، بينما يجد الكبار مساحة اجتماعية تعيد ربط الماضي بالحاضر دون أن تفقدهم شعورهم بالهوية.
كما تمتد آثار هذه اللقاءات إلى الشباب الذين يعيشون بمفردهم، إذ تمنحهم المشاركة شعوراً بالانتماء إلى مجتمع أوسع يتقاسم معهم القيم والثقافة والذكريات.
المساجد والمجتمع
تلعب المراكز الإسلامية دوراً محورياً في تنظيم موائد الإفطار الجماعي، حيث تتحول إلى نقطة التقاء تجمع العائلات وتعزز الروابط الاجتماعية، إلى جانب الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية في الغربة.
ويوضح المهندس حسام أن الهدف يتجاوز فكرة الإفطار، فالمكان ليس مائدة للشباب فقط، بل مساحة تجتمع فيها العائلات بأكملها. كما تحرص المراكز على توفير أماكن مخصصة للعب الأطفال ليشعروا بأنهم جزء من هذه التجربة الرمضانية.
ويضيف أن دور المجمع يمتد أيضاً إلى دعم الأهالي في قضايا تتعلق بحياة أبنائهم في المجتمع الجديد، مثل تقديم نصائح حول حقوق الطلاب المسلمين وتوفير نماذج رسائل للمدارس لتسهيل الإجراءات المرتبطة بالأنشطة الدينية.
وفي المقابل، يشير حسام إلى تحدٍ يتمثل في ضعف مشاركة بعض الأهالي في اللقاءات التربوية، مؤكداً أن المسؤولية تجاه الأبناء لا تقتصر على توفير الطعام، بل تشمل أيضاً المتابعة التربوية وبناء الوعي والهوية.
الاندماج والحفاظ على الهوية
لا تقتصر موائد الإفطار الجماعي على كونها مساحة للمغتربين، بل تتحول أيضاً إلى جسر للتواصل مع المجتمع المحلي، في إطار يحافظ على الهوية دون أن يعزل أصحابها عن محيطهم الجديد.
ويؤكد المهندس حسام أن السلطات المحلية تحترم هذه المبادرات طالما التزمت بالقوانين والتنظيمات العامة، بما في ذلك الحفاظ على نظافة المكان بعد انتهاء الفعاليات.
ويضيف أن بعض الألمان يشاركون أحياناً في هذه اللقاءات بدافع التعرف على تقاليد رمضان، كما يجدون فيها فرصة لمشاهدة شكل من أشكال الترابط العائلي الذي أصبح أقل حضوراً في الحياة اليومية الحديثة.
من جانبه، يرى عمر شمعون أن اللقاءات الأسبوعية يمكن أن تكون مساحة طبيعية للتعارف بين السوريين والمجتمع المحلي، موضحاً أن الهدف ليس الانغلاق، بل بناء علاقات إنسانية جديدة تحافظ على الهوية والقيم دون الذوبان أو فقدان الخصوصية الثقافية.
روح رمضان في المسجد
تلخص أم عماد شعور كثير من العائلات المشاركة، مشيرة إلى أن الإفطار الجماعي في المسجد يمنحهم لحظات تجمع بين السكينة والامتنان، حيث يضحك الأطفال ويلعبون، بينما يشعر الكبار بأن أجواء رمضان التي عرفوها في الوطن عادت إلى قلوبهم.
ويرى د. مطاع الدروبي أن هذه اللقاءات لا تقتصر على مشاركة الطعام، بل تسهم في إعادة بناء شعور المجتمع في الغربة، إذ يتعلم الأطفال من خلالها قيم الكرم والمشاركة، بينما يجد الكبار فرصة لاستعادة الإحساس بالانتماء والتواصل الاجتماعي.
أما المهندس حسام فيؤكد أن موائد الإفطار الجماعي أكثر من مناسبة رمضانية، فهي مجتمع صغير يجتمع فيه المغتربون حول قيم مشتركة ويستعيدون من خلاله روح رمضان ومعاني التضامن التي حملوها معهم من بلادهم.
وفي ظل هذه التجارب الإنسانية، يبقى السؤال مطروحاً:
كيف يمكن للمبادرات الأسرية والمراكز الإسلامية والمجتمع الألماني تحقيق توازن بين الاندماج في المجتمع الجديد والحفاظ على الهوية والثقافة والدين، بما يعزز الروابط الاجتماعية دون التفريط بالقيم والانتماء؟