
الريع والاستبداد… صفقة خاسرة للشعوب
منذ نصف قرن والعالم العربي يعيش تحت وطأة معادلة قاتلة = الريع الاقتصادي يولّد الاستبداد، والاستبداد يلتهم المجتمع والدولة معاً. هذه ليست مجرد نظرية أكاديمية، بل واقع يومي يتكرر من الخليج إلى المغرب الكبير. وعندما نقرأ تحليلات دنيس مولر في كتابه (Public Choice) عن معضلة الدكتاتور، ندرك أن ما نعيشه ليس استثناءً، بل جزء من قانون سياسي اقتصادي يُعيد إنتاج نفسه حيثما توفرت الموارد السهلة وغابت المؤسسات.
الدكتاتور ليس قدراً إلهياً ولا ظاهرة غامضة، بل هو نتيجة معادلة بسيطة: شخص يمسك بموارد الدولة، ويحوّلها إلى وسيلة لإطالة عمره في الحكم. مولر يصف الأمر بدقة حين يقول إن الحاكم المستبد (يسعى إلى مزيج من الاستهلاك الشخصي، البقاء في السلطة، وضمان أمنه ضد المنافسين). أي أننا لسنا أمام زعيم ملهم كما تحب الأنظمة أن تسوّق نفسها، بل أمام رجل أعمال في هيئة حاكم، يحسب أرباحه وخسائره بالدم والنفط والخبز.
هنا يظهر دور الريع، فالدول التي تجني ثرواتها من النفط أو الغاز أو أي مصدر طبيعي لا تحتاج إلى شعوبها لدفع الضرائب. ومن لا يدفع لا يطالب. ولهذا يتحول المواطن من شريك في الدولة إلى زبون في سوق الولاءات، فالهبة النفطية أو الدعم الغذائي ليست سياسة اجتماعية بقدر ما هي رشوة سياسية لتأجيل الانفجار. لكن هل يمكن شراء الولاء إلى الأبد؟
التاريخ يجيب بالنفي، ففي لحظة معينة، يتبخر السحر. حين تنخفض أسعار النفط، أو ترتفع كلفة الأجهزة الأمنية، أو تتسع الفجوة بين الحاكم وشعبه، تنهار الصفقة غير المعلنة بين الريع والاستبداد. هكذا سقط شاه إيران رغم ثروته النفطية، وهكذا ارتجّت الجزائر في التسعينيات حين انهارت أسعار البترول، وهكذا تتأرجح اليوم ممالك وإمارات تسابق الزمن لتنويع اقتصاداتها خوفاً من اليوم الأسود.
لكن الأخطر من كل هذا هو الوهم الذي يبيعه لنا الدكتاتور بأنه الضامن الوحيد للاستقرار، إما أنا أو الفوضى، هذه العبارة ليست شعار بل سلاحاً فـ “مولر” يوضح أن الدكتاتور يعيش في معضلة مستمرة ن إذا قمع بشدة قد يثير ثورة، وإذا وزّع أكثر من اللازم قد يستنزف خزائنه. الحل الوحيد بالنسبة له هو أن يجعل الجميع خائفين من البديل، حتى لو كان البديل مجرد حياة طبيعية بغير طغيان. فالاستبداد ليس فقط آلة قمع، بل أيضاً نظام اقتصادي طفيلي، حين تتحول الثروة الوطنية إلى ملكية خاصة للدكتاتور ونخبته، يُخنق الإبداع، ويُقتل الاقتصاد المنتج، وتُدفن الكفاءات.
نعم، قد تحقق بعض الدكتاتوريات نسب نمو اقتصادي عالية لفترات قصيرة كما فعلت كوريا الجنوبية في بداياتها أو أنظمة نفطية في الخليج لكن الكلفة تأتي لاحقاً، هشاشة اجتماعية، فساد متجذّر، وانفجارات متكررة، فالديمقراطية ليست فقط مسألة حقوق، بل أيضاً شرط للتنمية المستدامة.
ولعلّ أخطر ما تكشفه نظرية الخيار العام هو أن حتى الدكتاتور نفسه ليس مطلق السلطة، هو بدوره أسير شبكة من الوكلاء، جنرالات، بيروقراطيون، رجال أعمال، كل واحد منهم يملك القدرة على الانقلاب أو الابتزاز، لذلك يُغرقهم الحاكم في ريع الدولة ليشتري ولاءهم. لكن من يشتري الولاء اليوم، يكتشف غداً أن الولاء سلعة قابلة للبيع لمن يدفع أكثر. ولعل هذا ما يفسر كثرة الانقلابات في عالمنا العربي، ليس لأن الشعوب تغيرت فجأة، بل لأن شبكات الولاء تغيّرت أولوياتها.
إذاً، ما الذي يقدّمه الاستبداد فعلياً لشعوبه؟
قمع بلا نهاية، اقتصاد هشّ، وولاءات مصطنعة. ومع ذلك، ما زال خطاب الاستقرار أولاً يجد من يصفق له، وهنا تكمن خطورة الريع، أنه يشتري الصمت كما يشتري الولاء، ويخلق مجتمعات مشلولة لا تثق بقدرتها على التغيير. لكن كل تأجيل للانفجار هو في النهاية تفجير مؤجّل أكثر دمار.
من هنا، فإن معركتنا الحقيقية ليست فقط مع شخص الحاكم، بل مع منطق الريع الذي يغذّي الاستبداد، فطالما بقيت الدولة تعتمد على موارد طبيعية خارج إرادة المجتمع، ستبقى الدكتاتورية تجد أوكسجينها فالإصلاح الحقيقي يبدأ بربط دخل الدولة بمساهمة المواطنين، لا بصدفة الجغرافيا أو ثروة النفط أو أي ريع أخر على تعدد أنواعه، عندها فقط يصبح المواطن شريكاً يملك حق المساءلة، لا مجرد تابع يترقب مكرمة ملكية أو منحة رئاسية.
ختاماً، لا بد من التوقف عن ترديد أسطورة الدكتاتور المخلّص، هو ليس مخلّص بل أسير معضلته، والشعوب أسرى معه، الريع أعطاه عمراً أطول، لكنه لا يمنحه شرعية، وما من استبداد دام إلى الأبد، فالدكتاتور الذي يظن أن الريع يحميه إلى الأبد سيجد أن الريع لا يشتري المستقبل، بل يشتري وقتاً… والوقت ينفد دائماً.