الريع النفطي وصناعة السلطوية الإقليمية في الشرق الأوسط

0

من الصعب مقاربة التحولات السياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دون التوقف عند دور الريع النفطي. فالتحليل الذي يقدّمه الباحث الإيطالي جياكومو لوتشياني (2017) يضيء على مسألة أساسية كثيراً ما يُغفل عنها في النقاشات اليومية، وهي أن تأثير الريع لا يتوقف عند حدود الدولة الوطنية، بل ينسج ديناميات إقليمية تتجاوز الحدود، وتؤثر مباشرة في بنية الأنظمة السياسية، وفي فرص التحول الديمقراطي.

منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، بدا واضحاً أن المنطقة مترابطة بشكل غير مسبوق. فالموجة التي بدأت في تونس انتقلت بسرعة إلى مصر واليمن وسوريا وليبيا والبحرين. هذا الترابط لا يمكن تفسيره فقط بعوامل داخلية، بل هو نتيجة قابلية النفاذ السياسي التي تجعل من كل بلد عربي ساحة متأثرة بما يجري حولها. كما يذكّر لوتشياني بأن السياسة في الشرق الأوسط ذات أثر إقليمي، ولا يمكن لأي توازن داخلي أن يكون مستقلاً عن التطورات الإقليمية.

لكن ما يضفي على هذه التفاعلات قوة إضافية هو الريع النفطي. فالانقسام بين الدول الغنية بالنفط وتلك الفقيرة لم يكن مجرد مسألة اقتصادية، بل تحول إلى خط صدع سياسي وأيديولوجي. الدول الريعية، خاصة في الخليج، وجدت في عوائد النفط مصدراً للشرعية الداخلية عبر الإنفاق السخي، وفي الوقت نفسه أداة للهيمنة الإقليمية عبر تحويلات مالية وتحالفات سياسية. أما الدول الفقيرة، كالأردن ومصر وسوريا، فقد طالبت دائماً بحصتها من ريع عربي لم يُعترف به قط كمطلب مشروع. هذا التباين التاريخي جعل أي مشروع للوحدة أو التكامل الاقتصادي هشّاً وقصير العمر.

تاريخياً، حاولت الأنظمة العربية أن تستغل فترات ارتفاع أسعار النفط لتوسيع شبكاتها الزبائنية، داخلياً وإقليمياً. ففي السبعينيات، فتحت الطفرة النفطية الباب أمام تحويلات ضخمة ساعدت مصر وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية. لكن هذا السخاء لم يُنتج ولاءً دائماً، بل تحوّل لاحقاً إلى مصدر عداء. يكفي أن نتذكر كيف انقلب العراق على الكويت عام 1990، أو كيف وُجّهت نقمة تنظيمات مثل القاعدة ضد النظام السعودي رغم استفادتها سابقاً من دعمه. هنا يظهر الريع ليس كأداة للتكامل بل كوقود للتوتر.

الأمر الأكثر خطورة أن دورة الأسعار المرتفعة بين 2004 و2014 عمّقت الفجوة بدل أن تقلصها. بينما ازدهرت مدن الخليج بمشاريع عقارية وخدمات فاخرة، كانت المجتمعات في مصر وتونس وسوريا تشهد تفاقم البطالة وتآكل آفاق الطبقات الوسطى. ولعل لوتشياني محق حين يرى أن الثورات العربية لا يمكن فهمها ما لم نأخذ في الاعتبار ديناميات توزيع الدخل على المستوى الإقليمي. فالصورة اليومية لبرج خليفة في دبي أو لمراكز التسوق العملاقة لم تكن محايدة، بل صارت رمزاً لفجوة متزايدة غذّت الإحباط والتمرّد.

أما على صعيد التكامل الاقتصادي، فقد فشلت المنطقة فشلاً ذريعاً في تحقيق أي مشروع حقيقي. الاتفاقيات التجارية، سواء منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (GAFTA) أو الشراكات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ظلت حبراً على ورق أو لم تُطبّق سوى جزئياً. كذلك العمالة العربية التي كان يُفترض أن تشكّل جسراً للتكامل استُبدلت تدريجياً بعمالة آسيوية، ما أدى إلى ضياع فرصة تاريخية لدمج اقتصادي إقليمي. وحتى الاستثمارات البينية بقيت محدودة، مركّزة على مشاريع ضخمة ذات طابع ريعي، من دون أثر مستدام على بنية الاقتصادات المحلية.

المفارقة الكبرى، كما يشير لوتشياني، أن الدول التي تملك الموارد المالية والأدوات الاقتصادية أي دول الخليج هي نفسها التي تعيق بناء مؤسسات إقليمية حقيقية. فأنظمتها الميراثية (patrimonial) تقوم على احتكار السلطة والثروة، وبالتالي لا يمكن أن تقبل أي شكل من أشكال التنازل السيادي لصالح مؤسسات جماعية. هذه الحقيقة تفسر جمود مجلس التعاون الخليجي وعجزه عن التحول إلى اتحاد اقتصادي أو سياسي متماسك.

يعني كل ذلك اليوم أن أي نقاش حول الديمقراطية أو الإصلاح في المنطقة لن يكون ذا جدوى ما لم يأخذ بعين الاعتبار هذه البنية الريعية الإقليمية. فالوصفة الوطنية وحدها، كما يقول لوتشياني، ليس لديها حظ كبير في النجاح، فطالما ظل النفط يوزع بطريقة انتقائية، ويُستخدم كأداة لبناء التحالفات أو شراء الولاءات، فإن مسار الديمقراطية سيبقى هشاً، والأنظمة السلطوية ستجد دائماً وسائل لإعادة إنتاج نفسها.

من هنا، يظهر أن النقاش الأكاديمي حول الدولة الريعية يحتاج إلى توسيع عدسته ليشمل الإقليم الريعي، فالمشكلة ليست فقط في غياب الضرائب أو في شراء الولاءات داخل كل دولة، بل في شبكة المصالح والاعتمادات المتبادلة التي تجعل من الريع نفوذاً سياسياً عابراً للحدود. وهو ما يفسر لماذا تتعثر مشاريع الإصلاح حين تُعالج محلياً، ولماذا يظل مستقبل المنطقة مرهوناً بإعادة صياغة نظام إقليمي أكثر عدالة وتعاوناً.

لكن، وللأسف، الواقع الراهن يوحي بأن الطريق طويل أمام هذا التحول. الانقسامات الإقليمية أعمق من أن تُردم بسرعة، والأنظمة الريعية أقوى من أن تُغيّر من طبيعتها بسهولة. ومع ذلك، فإن أي تفكير جدي في مستقبل الديمقراطية في المنطقة لا بد أن ينطلق من حقيقة مزعجة وهي النفط، الذي كان يُفترض أن يكون نعمة، فتحوّل إلى عامل أساسي في تكريس السلطوية وإعادة إنتاجها إقليمياً.

المرجع:

لوتشياني، جياكومو

“Oil Rent and Regional Economic Development in MENA”.

International Development Policy | Revue internationale de politique de développement

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني