
في لحظة سياسية غير تقليدية، حملت أبعاداً تتجاوز طابعها البروتوكولي، استقبل الرئيس السوري الجالية السورية في برلين يوم الأحد 29 آذار 2026، في مشهد بدا وكأنه محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين الداخل السوري وكفاءاته في الخارج، لا سيما في الملفات الأكثر حساسية وتأثيراً: ملف التعليم.
لكن خلف هذه اللحظة، يتقدم سؤال أكثر عمقاً:
هل نحن أمام بداية مسار إصلاحي جاد يستثمر الطاقات السورية في المهجر، أم أمام إعادة إنتاج لفضاءات حوار لا تتجاوز حدود الاستماع؟
في هذا السياق، التقت صحيفة نينار برس الأستاذ أمير البارودي، رئيس رابطة المعلمين السوريين في ألمانيا، الذي قدّم قراءة دقيقة للقاء، كاشفاً عن مفارقة لافتة: فرصة حقيقية مشروطة بإرادة سياسية لم تختبر بعد.
لقاء خارج القواعد… حين تتحرر اللغة ويضيع المسار:
تميّز اللقاء، وفق توصيف البارودي، بطابع «أخوي وعفوي»، وهي سمة نادرة في لقاءات بهذا المستوى، أتاحت مساحة مريحة للنقاش، وكسرت الحواجز التقليدية بين الحضور وصانع القرار.
غير أن هذه العفوية حملت وجهاً آخر؛ إذ سمحت بانزلاق جزء من النقاش بعيداً عن القضايا المحورية، ما يطرح تساؤلاً حول قدرة مثل هذه اللقاءات على الحفاظ على تركيزها الاستراتيجي.
يقول البارودي:
«اللقاء كان مريحاً ومفتوحاً، لكنه في بعض الأحيان خرج عن محور الجالية وأهداف الجلسة».
ورغم أن مداخلته جاءت في ختام نقاش امتد لأكثر من ساعتين، إلا أنه يؤكد أن التفاعل كان حاضراً، مع الإشارة الأهم: الاهتمام لا يُقاس بلحظة الاستماع، بل بجدية ما يليها.
أزمة التعليم: غياب الرؤية قبل غياب الموارد:
في توصيف يتجاوز الطرح التقليدي، لا يرى البارودي أن أزمة التعليم في سوريا أزمة إمكانيات فحسب، بل أزمة بنيوية في الرؤية والتخطيط.
«المشكلة الأساسية هي غياب رؤية تعليمية وطنية حديثة قابلة للتطبيق»، يقولها بوضوح، مضيفاً أن غياب الاستراتيجية حوّل التعليم إلى منظومة جامدة، عاجزة عن مواكبة التحولات.
تتجلى هذه الأزمة في عدة مستويات:
- مركزية القرار التي تعطل المبادرات.
- مناهج متأخرة عن التطور العلمي.
- بنية تحتية منهكة.
- كوادر تحتاج إلى إعادة تأهيل عميقة.
لكن الخطر الأعمق، بحسب طرحه، يكمن في استمرار نموذج «التلقين»، الذي لا ينتج معرفة، بل يعيد إنتاج العجز.
بين برلين ودمشق: التعليم كفجوة حضارية لا تقنية:
لا يتعامل البارودي مع التجربة الألمانية كنموذج جاهز للاستيراد، بل كمدرسة في التفكير التربوي.
جوهر الفارق، كما يراه، لا يكمن في الإمكانيات، بل في الفلسفة: في ألمانيا، التعليم مرتبط بالحياة. في سوريا، لا يزال منفصلاً عنها.
«السؤال الذي يجب أن يُطرح على الطالب ليس ماذا تتعلم، بل لماذا تتعلم؟»
هذا التحول البسيط في ظاهره، العميق في جوهره، هو ما يحدد الفارق بين نظام ينتج كفاءات، وآخر ينتج شهادات.
ومن هنا، يدعو إلى تكييف التجارب العالمية لا استنساخها، عبر أدوات عملية: منصات رقمية، تدريب مباشر، تبادل خبرات، وإشراف عن بعد – أي نقل المعرفة دون نقل النموذج حرفياً.
الجالية السورية: ثروة استراتيجية خارج الحسابات:
يضع البارودي إصبعه على واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً:
سوريا تمتلك واحدة من أغنى الكفاءات البشرية في الخارج، لكنها تفتقر إلى آليات استثمارها.
«الإمكانيات موجودة، لكن التنظيم غائب.»
هذا الغياب لا يعني فقط ضعف التأثير، بل يمثل هدراً استراتيجياً لرأس مال بشري كان يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لإعادة البناء.
الحل، كما يطرحه، ليس في الدعوات العامة، بل في بناء منظومات عمل: لجان تنفيذية، ربط مؤسسي بين الداخل والخارج، جداول زمنية واضحة، وآليات متابعة دقيقة.
بكلمة أخرى: الانتقال من النوايا إلى السياسات.
اختبار ما بعد اللقاء: حين يبدأ البعد السياسي الحقيقي:
إذا كان اللقاء بحد ذاته حدثاً لافتاً، فإن أهميته الحقيقية تكمن فيما بعده.
هل سيتم البناء على ما طُرح؟
هل ستتحول الأفكار إلى قرارات؟
هل ستُفتح الأبواب أمام الكفاءات فعلاً؟
يختصر البارودي هذه الإشكالية بجملة حاسمة:
«أي لقاء بلا مخرجات تنفيذية يشكل خطراً، وليس فرصة».
وهنا يتكشف البعد السياسي العميق لملف التعليم:
الإصلاح ليس مسألة تقنية، بل قرار سيادي.
رسالة المعلمين: إعادة تعريف التعليم كقضية وطنية:
لم تكن مداخلة البارودي طرحاً مطلبياً تقليدياً، بل محاولة لإعادة صياغة موقع التعليم في بنية الدولة.
الرسالة التي حملها كانت واضحة:
- إعادة تأهيل المعلم مهنياً ونفسياً ومادياً.
- تحويل الطالب إلى محور العملية التعليمية.
- الانتقال من التلقين إلى التفكير النقدي.
والأهم، تأكيد جاهزية رابطة المعلمين السوريين في ألمانيا لتكون شريكاً تنفيذياً، لا مجرد صوت استشاري.
نافذة مفتوحة… أم فرصة عابرة؟
يحمل لقاء برلين ما هو أكثر من رمزية سياسية؛
إنه اختبار مبكر لإمكانية إعادة بناء العلاقة بين الدولة وكفاءاتها في الخارج، عبر بوابة التعليم.
لكن هذه اللحظة، بكل ما تحمله من إمكانات، تبقى معلقة على سؤال واحد:
هل تتحول هذه اللقاءات إلى مسار إصلاحي حقيقي يعيد بناء التعليم السوري من جذوره،
أم تُضاف إلى أرشيف طويل من الحوارات التي لم تتحول إلى قرارات؟
الإجابة لن تحدد مستقبل التعليم فقط، بل ملامح سوريا القادمة بأكملها.