
الخاسرون الأربعة: حين تُهزَم القوى جميعاً في حرب واحدة
قد تكون الحرب التي تدور رحاها اليوم في المنطقة تاريخية بكل المقاييس، حيث ستُحدِث النتائج المتولّدة عنها تأثيرات هيكلية على بنية النظام الدولي السائد حالياً وتوازنات القوى الحالية، بحيث يكون ما بعدها مختلفاً جذرياً عما قبلها.
1- على المستوى الأمريكي
يجب أن يعلم الجميع أنّ الرئيس ترامب هو من نِتاج المؤسسات الأمريكية والشعب الأمريكي، وهو لم يأتِ إلى السلطة بانقلاب عسكري ولا بتوريث نُقلت له السلطة، حيث إنّ فوزه الكاسح شعبياً في الانتخابات الأخيرة وسيطرة حزبه على مجلسي الكونغرس، كل ذلك أتى بآليات ديمقراطية معروفة.
ويقول بعضهم إنّ الرئيس الأمريكي يُصنّف كأضعف رئيس في العالم لأنه مُضطر، حين يأخذ قراراته، أن يأخذ بعين الاعتبار حلقات عديدة تؤثر جذرياً في اتخاذه لهذا القرار (الرأي العام… مجلسي الكونغرس.. الحزبين.. الإعلام… مؤسسات الدولة العميقة الخ).
ما أودّ قوله هو أنّ قرار الحرب لم يكن ارتجالياً منفرداً من الرئيس، بمعنى قد يكون توقيت المعركة أو شكلها أو التحضير لها سياسياً وإعلامياً فيه أخذ ورد، ويرى بعضهم أنّ الرئيس ترامب في دورته الأولى هو من الرؤساء القلائل الذين لم يبدؤوا حرباً، لكنه عاد وأشعلها في دورته الثانية، حيث هناك ميل في واشنطن للحروب، خاصةً في ظل النفوذ الهائل للمجمع الصناعي العسكري، سواء كانت حرباً مباشرة أو بالوكالة لأسباب معروفة.
ولأن حرب الـ 12 يوم في حزيران 2025 لم تُحقّق أهدافها، وقد سبق هذه الحرب عملية فنزويلا والتي أطربت كل الأمريكيين (شعباً ودولة)، ودقّت آخر مسمار في نعش القانون الدولي والنظام الدولي الذي ساد العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
إنّ صراع الحفاظ على السيادة العالمية بالنسبة لدولة بلغت الذروة (وما بعد الذروة إلا الانحدار) يتطلّب من دولة شاخ اقتصادها وشاخت قوتها العسكرية واستنفدت كل منظومتها القيمية، بحيث لم يعد أحد في العالم يستهويه النموذج الأمريكي.
يبدو أنّ الاستراتيجية الأمريكية في صراعها مع التنين الآسيوي بدأت بمحاصرته طاقوياً، حيث إنّ 80% من الطاقة التي تستهلكها الصين تستوردها من الخارج، وبعد السيطرة (لحد الآن) على النفط الفنزويلي كان الهدف هو الطاقة في الخليج العربي (السعودية والإمارات والكويت وقطر والعراق وإيران)، وبالتالي عملياً السيطرة على 65% من الطاقة العالمية والتحكّم بها، ولا يبقى خارج السيطرة الأمريكية إلا الطاقة الروسية (وغيرها القليل)، والذي يتم فرض العقوبات عليه لأسباب شتى، بمعنى أن تتحكم الإمبراطورية الأمريكية بشكل مطلق بالطاقة العالمية.
إنّ خسارة الإمبراطورية الأمريكية لحربها مع إيران بعدم تمكنها من تحقيق أهداف السيطرة على الطاقة، بل ووضوح ضعف العسكرية الأمريكية في حسم المعركة مع دولة من العالم الثالث محاصرة منذ نشأتها، وخسارة مضيق هرمز لصالحها (فيما لو حصل، وهو المرجّح)، وهو ما يؤشر لعجز العسكرية الأمريكية عن السيطرة على مضيق مالقا في مدخل بحر الصين الجنوبي، والذي يخنق الصين عملياً، حيث ستُعتبر تاريخياً هذه المعركة بداية أفول الأسطورة الأمريكية.
2- على المستوى الإسرائيلي
هذا الكيان الغريب المزروع في المنطقة بعد سقوط الدولة العثمانية لم يتمكن من أن يتحول إلى دولة طبيعية، فهو كيان مكروه ويرى أنّ سر بقائه هو في ضعف وإضعاف جواره، لذلك تذهب جهوده الكبرى لتحقيق الإضرار بالدول المجاورة، وهو يراها أنّها العالم الإسلامي قاطبةً، وبما أنّ الكيان الإسرائيلي تم إنشاؤه ككيان وظيفي فإنّ أهم أسباب سقوطه ستكون فقدانه لتلك الوظيفة وتحوله إلى كيان غير مفيد أو عبء على من يُشغّله.
وبما أنّ هذه الحرب هي الوحيدة في تاريخ الكيان التي يدخلها مع الولايات المتحدة منذ يومها الأول، فإنّ خسارتها وفق أهدافه ستُعدّ كارثية له، حيث لم يعد هو يخيف ولا معلّمه يخيف أيضاً، وقد كان نتنياهو واثقاً من تمكنه من فرض شرق أوسط جديد أمريكي يكون هو الوكيل فيه وصاحب الريادة والسيادة، ولم يُخفِ العجوز الإسرائيلي ذلك عندما قال إنّ هذا الفضاء الاستراتيجي سيولد من القضاء على محور شيعي يتداعى وحرب مقبلة وقريبة مع محور سني (متطرف).
ولن أكون مبالغاً إذا قلت إنّ المعركة الأولى التي لن يربحها الكيان الإسرائيلي هي بداية العدّ التنازلي لانهياره، حيث ستتكامل الظروف الذاتية والموضوعية لتحقيق ذلك.
3- على المستوى الإيراني
لم يُحسن نظام الملالي بناء نموذج ديني مقبول، سواء للشيعة خاصةً أو للسنّة بشكل عام، حيث استحضر التاريخ والخلاف المذهبي ليكون عصب قوته، ولم يكن ذلك على مستوى الشعارات والتحشيد، بل كان تنفيذ ذلك عملياً بقيامه باضطهاد السنة (وهم الأمة) كلما سنحت الفرصة له بذلك، وتجلى ذلك عملياً في البلدان العربية التي خضعت له فيما عُرِفَ بالهلال الشيعي، وخاصةً السوريين والعراقيين، حيث ارتكب بحقّهم مجازر وانتهاكات لا تنمّ على رؤية مستقبلية لكسب التعاطف أو عدم العداء منهم، بل إنّ العداوة التي يُكنّها للسنة عموماً لا تجعل التوافق مع هذا النظام لها أيّ حظوظ، فكيف إذاً بتأييد هذا النظام، وما سرّ التعاطف الشعبي الحاصل معه الآن ليس حباً به بل كرهاً بالكيان الإسرائيلي والغطرسة الأمريكية.
وكما يخشى العرب والسنة عموماً من انتصار مشروع الشرق الأوسط الأمريكي الإسرائيلي، يخشون بنفس القدر من هيمنة الهلال الشيعي على المنطقة إذا ما تحقق له بعض من نصر، ويرون أنّ كلا المشروعين هو عدو لهم، حيث لم تنجح المساعي الأمريكية في التخادم مع الهلال الشيعي واقتسام النفوذ في المنطقة، وهي بعد هذه الحرب الكبرى سيكون الصراع بينهما صفرياً، وسيحاول كل طرف استمالة العالم السني إلى جانبه.
وأثبت الإيرانيون عداءهم للعرب عملياً في هذه الحرب عبر استباحة بلدانهم وإدخالها كساحة حرب، وتخسيرهم رغماً عنهم بحجة إبعادهم عن تحالفاتهم السابقة.
4- على المستوى العربي
العرب خاسرون في هذه الحرب، إلا إذا خرجوا منها بمخرجات إيجابية تؤمن مستقبلهم على مبدأ رُبّ ضارةٍ نافعة، حيث نرى أنّ الإيرانيين بنوا نموذجهم كقوة إقليمية إمبراطورية، والأتراك كذلك، فهم قوة إقليمية كبرى يُحسب لهم ألف حساب، ولهم نموذجهم الذي يُصدّرونه، وليس بعيداً عنا الباكستانيون، بنوا قوة عظيمة تخلق توازناً مع الهند، وبنوا سلاحهم النووي الذي يحميهم.
أهدر العرب كثيراً من الثروة الهائلة التي وهبهم إياها الله في غير محلها، كصرفها على الخلافات العربية والتنافس العربي، أو في بناء نماذج للتنمية جيدة لكنها غير محمية، وباتت تشكّل نقطة ضعف لهم، حيث بات الآن أنّ ليس نماذجهم تلك فحسب، بل كأس الماء التي يشربونها هي رهن بيد العدو الشمالي.
أيضاً إنّ السياسات الدفاعية الحالية والتنسيق السياسي لا يتم بشكل جماعي، بحيث كل دولة تتصرف بمفردها، ولم يحصل موقف رادع لاعتداءات الحرس الثوري الإيراني عليها، وهي الآن مهدّدة بمصادر رزقها، وليس ما يمر من مضيق هرمز فحسب، بل من خارجه أيضاً بفعل التنمّر الإيراني عليها.
تبين للعرب أنّ الأمن المستورد من الخارج هو كثوب العيرة لا يقي من البرد، وأنّ كل الاتفاقيات مع الأمريكيين والأوروبيين للحماية لن تُغني من جوع، ولابد من أمن ذاتي بإنشاء مرتكزات قوة رادعة مع حلفاء طبيعيين مسلمين من غير العرب كالأتراك والباكستانيين، وهذا أمل الجمهور العربي بصحوة عربية تتوفر لها كل الإمكانات المادية والبشرية لبلورة مشروع عربي مستقل عن أيّ هيمنة، ويضمن مصالح الدول والشعوب العربية.