الحكاية السورية تكتب فصول السلام والازدهار والتنمية
الحكاية السورية المستمرة منذ آلاف السنين تتابع مسيرها لتصل إلى سوريا ما بعد الأسد، سوريا الجديدة التي تحاول إزالة الركام والرماد الذي خلّفته عقود الاستبداد.
لا تُبنى الدول بالرغبات والتمنيات أو الاستجداءات أو حتى بالترانيم والأدعية، ولا يبنيها قطيع مسلوب الإرادة يأكل الذئب ما شاء منه، وغالباً ما يكون الراعي هو الذئب.
عندما اتخذ السوريون قرارهم ببناء مستقبل جديد، كان لا بُدّ من ثورة تهدم ما كان موجوداً، ولأنّ تجربة السوريين مع نظام الأسد مريرة وردّة فعله من الانتفاض عليه متوقعة ثم الانقضاض على أشلائه، سيكون ذلك مُكلفاً بل مكلفاً جداً.
يبدو أنّ السوريين بدؤوا طريقهم وأوقدوا شعلة ثورتهم متكلين على الله تحت شعار: “يا الله ما لنا غيرك يا الله”، غير آبهين بالثمن الذي سيدفعونه، ومدركين أنّ حريتهم لن يَمنّ أحد عليهم بها، وأنّ كرامتهم تُؤخذ ولا تُمنح لهم.
ولأنّ النصر في الحروب لا يُقاس بما يمتلكه المتصارعون من عددٍ وعتاد (رغم أهميته)، إلا أنّ إيمان المقاتل بقضيته وتمسّكه بتحقيق أهدافه، وعدم تسلّل الوهن إلى عزيمته، وتوفّر القيادات الحكيمة التي تُوظّف تلك الطاقات في المعركة وتختار الزمان والمكان والظروف المناسبة لتقدمها أو تراجعها أو تريثها، حيث لا مانع من خفض الرأس حتى تمرّ العاصفة…
استعمل نظام الأسد وداعموه كل الأسلحة لقمع الثورة وهُزِم في النهاية، حيث أعطى للتاريخ درساً بأنّ الهمجية لا تصنع انتصاراً، وأنّ القضية غير العادلة خاسرة لا محالة، وأنّ الطغاة مصيرهم إلى خزي الحاضر وضياع المستقبل، وأنّ الطريق الوحيد لهم إلى مزابل التاريخ.
ولم تضِع هباءً صرخة الشباب العربي في ربيعه لتغيير واقعه ومستقبله وركوب قارب الحرية والحضارة والمدنية بعد أن فشلت (أو أُفشلت) كل التجارب في بلدان الربيع العربي، وبقيت الثورة السورية تُصارع الطغاة وتصمد في وجه الهمجية والإبادة. أرادها دعاة الاستبداد أن تكون درساً قاسياً مليئاً بالآهات والدماء والخراب لثني من يُحاول التمرد على الطغيان ومحاولة كسر القيود والخروج من حظيرة السلطان.
أعطى انتصار الثورة السورية الأمل للأجيال القادمة بحتمية التغيير وضرورة رفض الواقع الذي يُراد لهم التأقلم معه، ولن يضيع حقّ وراءه مُطالب، وما نيل الأماني بالتمنّي ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.
عند وصول طلائع الثورة إلى دمشق وفرار الاستبداد منها، ظهر أنّ الحكاية السورية ستعطي دروساً للعالم، وأنّ هذا الشعب الموغل في حضارته يستعد لكتابة الفصل الأجمل في الحكاية السورية.
كان الانتصار إعجازياً، وكانت مسيرة الانتصار أسطورية، لقد كان نصراً بلا انتقام، ومجداً قادماً على أنقاض زمن غابر يُكتب دون دماء. مشهد أذهل العالم بترك جموع المهزومين المنسحبين والذين ألقوا أسلحتهم وخلعوا بزّاتهم العسكرية خوفاً ووجلاً من الفاتحين الجدد، ووصولهم آمنين إلى بيوتهم. لم يُقتل مدني واحد في معركة التحرير، ولم يُهدم منزل على رؤوس ساكنيه، وكان أصدق تعبير عن هذا المشهد قوله تعالى: وقل جاء الحق وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً.
ولأنّ الثورات هي الوسيلة وليست الغاية، كان برنامج اليوم التالي للقيادة هو بناء الدولة الجديدة وإصلاح السجادة السورية التي نخرها دود الاستبداد ورطوبة الظلم، وحفرت سنيّ الحرب شقوقاً فيها.
ولأنّ السجادة السورية المتعددة الألوان تحمل الجميع وتقي الجميع، كان هدف ترميمها وإعادة الزهوّ لألوانها هو الهدف الأول الذي لا يسبقه أيّ هدف آخر.
كان المتضررون من النصر السوري كُثر، منهم من أبناء جلدتنا ومنهم الأغراب، وقد هالهم الفوز الكبير لسوريا والسوريين، وبدؤوا منذ اليوم الأول في وضع العصي في عجلات الدولة الوليدة لإبطاء مسيرها وحرف مسارها. شجّعهم على ذلك عُمي أبصارهم عن تقدير مدى قوة الدولة الجديدة وتمسّك شعبها بها، فظنوها ضعيفة أو ستكون منبوذة من الخارج، أو أنّها لن تُحسن قيادة الدفة وتوجيه السفينة السورية إلى شاطئ الأمان.
كان هدفهم الحقيقي استغلال الفرصة التاريخية التي سنحت بسقوط الأسد وسرقة النصر من المحررين تحت دعاوى “غول الأغلبية المفترس الافتراضي”، وبدؤوا بصناعة المظلوميات وتصديرها. وكانت أهدافهم الرئيسية هي سرقة النصر من صانعيه ودافعي تكلفته. وعندما تفاجؤوا باللحمة بين القيادة والشعب المتمسّك بنصره، لجؤوا إلى التُقية التي لم تخدع أحداً. فكانت دعاوى اللامركزية والفيدرالية والحقوق القومية والطائفية والمحاصصة هي الطريق لاقتطاع حصصهم والحفاظ على مكتسباتهم. وتخلى كبيرهم باكراً عن تُقيته التي طالب فيها بدولة علمانية، وأعلنها بصراحة ودون مواربة، ورفع مطالب الحصول على كانتون مستقل طافٍ تحت حماية ورعاية عدو أزلي لسوريا.
أنهت الحكاية السورية فصلها المأساوي بإسقاط عهد الاستبداد، وبدأت تستعد لدخول فصل جديد من سيرتها وهو عصر السلام والازدهار والتنمية، في محاولة منها للنهوض من تحت الرماد، فقد تركتها عقود الاستبداد كومة من الركام، وكان الحجر والبشر دون القاع.
كانت القيادة السورية حكيمة وواعية لما تُريد عمله لإنقاذ البلاد، وسأتكلم هنا عن الساحة الخارجية فقط، حيث بدأت بإطلاق التصريحات بأنّها تريد الانكفاء لبناء بلدها ولن تُشكّل أيّ تهديد للجوار.
بدأت بتذويب الجليد مع كل الدول، وإرسال رسائل الطمأنة وتبديد المخاوف من تاريخ سابق للقيادة. اطمأنّ البعض باكراً وكان للآخرين مخاوفهم وهواجسهم. كانت أفعال القيادة تُطابق أقوالها وظهر أنّ العهد الجديد سيكون بعيداً عن الأيديولوجيا والشعارات الرنّانة (الفارغة)، وأنه يرغب إضافةً إلى شرعيته الثورية في الحصول على شرعية النهوض الاقتصادي للفرد والمجتمع والدولة. وكان تسخير الانفتاح السياسي على الخارج ليس للحصول على شرعية خارجية [كما يدّعي بعضهم] بل للقيام بألف باء النهوض الاقتصادي وهو رفع العقوبات الاقتصادية. بالطبع كان للتموضع الجيوسياسي الجديد لسوريا وضغط الحلفاء العرب والأتراك الأثر الكبير في رفع أسطوري لمعظم العقوبات من سيد البيت الأبيض، وما بقي منها مُعطَّل ريثما يتم التغلب على البيروقراطية الأمريكية الشديدة وسلوك طريق الكونغرس لإلغائها، وهو الذي فرضها ولا يملك الرئيس صلاحية إلغائها بل تعطيلها فقط.
تمت دعوة الزعيم الجديد لسوريا إلى أهم ملتقى سياسي عالمي وذلك لتقديم سوريا الجديدة وتقديم نفسه للعالم إيذاناً ببدء صفحة جديدة بين سوريا الدولة الطبيعية والعالم.
قابل الرئيس السوري معظم من كان حاضراً من الزعماء وقدّم نفسه وسوريا بأبهى حلّة وبأحسن ما يكون التقديم، والتقى بأفراد الجالية السورية الفرحين بسوريا الجديدة وقيادتها الشابة الحضارية. وكان ضيفاً على قمة كونكورديا وعلى بعض من أهم معاهد الدراسات التي يستعين بها صنّاع القرار، وختم جولته بكلمة شاملة وموجزة حدّد بها موقع وموقف سوريا وما هي عليه الآن وما يجب أن تكون.
كان فتح الحصن الأمريكي لا يقلّ أهمية عن فتح دمشق، فقد كان يُجسّد عودة سوريا إلى العالم بعد أن عادت إلى شعبها. ويستحق هذا الشعب العظيم أن يكون جزءاً من المجتمع الدولي ومتناغماً مع الحضارة والسلام والمحبة.