الحرب على الإرهاب بين القرار الدولي والمسؤولية الوطنية

0

تزدهر التنظيمات الجهادية وغير الجهادية السنية عندما تتعرض الحواضن المجتمعية للظلم والاضطهاد، وتنتشر أفكارها كالنار في الهشيم كوسيلة لدفع الأذى أو الانتقام، وتصبح مصادر التجنيد وفيرة وسهلة.

في العراق نشأت مظلومية سنية كبيرة بعد الغزو الأمريكي، وتم تهشيم وتهميش السنة كفريق رئيسي خسر الحرب، فيما تعاون الأمريكان مع الشيعة والكرد لحكم البلاد وتوزيع المغانم عليهما.

في سوريا كان عنف نظام الأسد الطائفي أكثر بكثير من المتوقع، وكان القتل يتم تحت شعارات مذهبية، واستعان بميليشيات طائفية متعددة الجنسيات تعمل تحت إدارة الحرس الثوري الإيراني، وبالتالي كان كل الضحايا من العرب السنة، وهذه البيئة بالتأكيد ستقوم بردّ فعل، بحيث كانت التنظيمات الجهادية تستقطب العدد الأوفر من الراغبين بالقتال أو الانتقام.

كانت الجهادية السنية هي العدو رقم واحد للولايات المتحدة، خاصةً بعد ضربات أيلول 2001، ورأت في الجهادية الشيعية عدواً نوعياً محلياً يمكنها الاستفادة منه بفتح صراع أبدي بينهما يُرهقهما ويُشغلهما عنها، وقامت بتقسيم الأدوار بحيث تحالفت مع ميليشيات قاسم سليماني في العراق لشن الحرب على التنظيم، فيما تحالفت في سوريا مع وحدات حماية الشعب الكردية والتي يُصنَّف منبتها أو مرجعيتها على لوائح الإرهاب.

وبين عامي 2014 و2019 تم القضاء على دولة خلافة داعش، وكل ذلك تم على حساب أهل المنطقة من السنة العرب، بحيث تم القتل والتهجير العشوائي تحت مسمى الحرب على الإرهاب، بحيث أصبحت المنطقة من حلب إلى الموصل خراباً بفعل القصف الأمريكي، وتم احتلال تلك المنطقة من الحشد الشيعي العراقي وميليشيا الـ PKK في سوريا…

انتهت مهمة القوات الأمريكية في سوريا في آذار 2019 عندما أعلن الرئيس الأمريكي بنفسه أنّ تنظيم داعش قد تمت هزيمته في معركة الباغوز الأخيرة، ولم يبقَ له أيّ سيطرة مكانية على الأرض، وتحوّل ما تبقى منه إلى خلايا منهكة تحت الأرض تلعق جراحها.

أراد الرئيس الأمريكي الانسحاب من سوريا، واعترضت عليه ما يُعرف بمؤسسات الدولة العميقة (السياسية والعسكرية والتشريعية)، حيث رأت المؤسسات صانعة القرار أنّ أيّ انسحاب أمريكي من شرق الفرات سيملؤه التحالف الروسي الإيراني، وبالتالي سيستثمر الجهد الأمريكي في القضاء على التنظيم ليُعلن فوزه في الحرب السورية، وبالتالي ستفقد الولايات المتحدة تأثيرها وحضورها في الحل السوري، كما أنّ انتهاء التخادم مع المحور الإيراني كان قد بدأ قبل سنة من ذلك، عندما خرجت الولايات المتحدة في أيار 2018 من الاتفاق النووي الذي أبرمته الإدارة السابقة، وبات الصراع بين واشنطن وطهران مكشوفاً، وبالتالي كان على واشنطن حرمان الإيرانيين من نصر في سوريا والاستعداد لاحتمال قطع الشريان البري عبر سوريا الذي يصل بين حلقات المحور الإيراني…

لم تُفرّط الولايات المتحدة باللحظة التاريخية التي قدمها لها السوريون الأحرار عندما تمكنوا من إسقاط نظام الأسد وهزيمة داعميه الإيرانيين والروس بنتيجة الحرب السورية، ولاحت لهم فرصة سحب قواتهم من سوريا وإنشاء شراكة مع الحكومة السورية الجديدة، لم تطُل كثيراً فترة الحذر من العهد الجديد، ويبدو أنّ قراراً أمريكياً تم اتخاذه بالسعي لشراكة مع السوريين، وتم إزالة كل العقبات من طريق تحقيق ذلك عبر رفع كل العقوبات الأمريكية والدولية المفروضة على القيادة السورية الجديدة وضمها للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب ودعمها في استعادة السيطرة على كل الأراضي السورية، سواء عبر تحجيم العدوانية الإسرائيلية اتجاه العهد الجديد والتخلي عن حماية تنظيم قسد وغيرها من الإجراءات….

لا بد من الإشارة إلى أنّ تنظيم قسد والولايات المتحدة فشلتا فشلاً ذريعاً بالقضاء على تنظيم داعش خلال السنوات الماضية، وذلك باعترافهما، حيث يُقدَّر عدد أفراد التنظيم بالآلاف وهم لا زالوا يمتلكون بنية تنظيمية لامركزية تُمكّنها من شنّ مئات العمليات العسكرية سنوياً، ومن المعروف أنّ وجود قسد مرتبط بوجود داعش، وهو ما سعت له الأولى لكي تدوم الحماية والدعم الأمريكي لها، وهو ما اعترف به مؤخراً مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس بمراوغة قسد في حربها على التنظيم، لم يخطر في بال قسد أنْ يخرج بديل سوري تتحالف معه الولايات المتحدة بديلاً عنها، وهذا ما حدث بالفعل، حيث ستكون الحكومة السورية هي الشريك الوحيد للولايات المتحدة في تلك الحرب، ولثقة واشنطن بالحكومة السورية قامت بسحب قواتها من قواعدها وتسليمها للجيش السوري، وستقوم الولايات المتحدة بتأمين الدعم الاستخباري واللوجستي وغيرهما من أنواع الدعم لمكافحة التنظيم، وبالتأكيد ستنجح الحكومة السورية بذلك لأنها ستقوم بتجفيف المنابع المالية والفكرية والتحشيدية له، كما أنّ رفع المظلومية السنية بسقوط الأسد وقسد ستُضعِف كثيراً من قدرة التنظيم على التعبئة والحشد.

لن يصمد التنظيم طويلاً في بيئة مجتمعية طاردة له وموالية أو متصالحة مع الدولة، كما أنّ دوران العجلة الاقتصادية سيسهم كثيراً في انفضاض الشباب عن كل تلك الأفكار المتطرفة التي تنبت وتزدهر في المجتمعات المهمشة والمحرومة من اهتمام الدولة.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني