الثُلث المُعدَّل من تشكيل البرلمان هو حصة رئيس الجمهورية.. ماله وما عليه

0

كلّ السيناريوهات التي كانت مطروحة لاستمرار حكم الأسد أو سقوطه كانت كارثية، فلو تمكّن من البقاء لاستمرّ موات سوريا وتفكّكها بعد تعفّنها، ولارتأت القوى الفاعلة خياطة الجرح بما فيه من قيح، خاصةً أنّه لا سيناريو حسمٍ عسكري كان مطروحاً أو متوقّعاً، وفي بلد كسوريا لن نتوقف عند نموذجٍ صومالي بل ربما أسوأ بكثير، وكان الخوف من أن تُصبح الصوملة هدفاً سورياً منشوداً…

وكانت سيناريوهات ما بعد سقوط النظام أكثر كارثية من بقائه، إذ كانت كلّ التوقّعات تشير إلى اندلاع حروبٍ وصراعاتٍ طائفيةٍ وإثنيةٍ وربما مناطقية أيضاً، وستكون أشرس من كثيرٍ من الحروب الأهلية التي عرفها العالم، لأنها أتت بعد أربعة عشر عاماً من الثورة السورية بكلّ أيقوناتها وانتصاراتها وإخفاقاتها، والتي أفرزت الحرب بنتيجتها تخندقاً مجتمعياً أكثر خطورة من الخنادق العسكرية على الجبهات، وكان كلّ طرفٍ لديه داعمٌ خارجي، لأنّ من أهمّ أسباب اندلاع واستمرار الحروب الأهلية وجود الدعم الخارجي، ولأنّ حرباً بالوكالة ستقع حتماً، فإنّ القوى المتدخلة في سوريا، وهم كُثُر، سيدعم كلّ واحدٍ منهم الطرفَ المحلي الذي يُحقّق مصالحه، وتدخل سوريا في أتون صراعٍ أهليٍّ مدمّرٍ نعرف بدايته ولا يمكن لأحدٍ التكهّن بنهايته…

انتصرت الثورة السورية كثورةِ شعبٍ كاملٍ ضحّى بالغالي والنفيس لاقتلاع الاستبداد من حياته ومجتمعه وبلده، وتحقّق السيناريو المنشود للسوريين، والذي كان يُخيَّل لبعضهم صعباً أو مستحيلاً، وجنّبتهم قيادة الثورة السورية الدخول في السيناريوهات الخطيرة السابقة.

كان مشهد تحرير سوريا من الطغاة أقرب إلى المثالية، “فتحٌ بلا انتقام”، وكانت الخسائر البشرية أقلّ من توقّع أشدّ المتفائلين، ووصل الثوار إلى دمشق وسقط الأسد…

لم يسقط الأسد بمفاوضاتٍ بمعنى أن يتنحّى عن الحكم وفق أيّ صيغة، وكانت صيغة القرار الدولي 2254 تُتيح له ذلك، ولا بتغييرٍ عسكريٍّ ضمن طائفة الحكم، ولا بانتفاضةٍ شعبيةٍ ضمن الموالاة تجعل من استبداله ضرورةً لاستمرار بقاء نظامه.

لم يحدث كلّ ذلك، وسقط النظام بهزيمةٍ عسكريةٍ حاسمة، وسقطت معه كلّ المصطلحات التي تُطلَق عليه مثل “طائفة النظام” والمقصود بها كلّ القوى التي تدعم النظام من جميع المكوّنات السورية، وسقط مصطلح “العلوية العسكرية” و“العلوية السياسية”، وتبيّن أنها ليست أكثر من حاشيةٍ للسلطان منزوعة الدسم، لم يسمح الأسدان بوجود أيّ كفاءاتٍ حقيقيةٍ بينهم، ولم يكونوا أكثر من منفذين لأوامر السلطان ومطبّلين له، حيث عند غياب الأسد لم تمضِ سويعاتٌ إلا وتبخّر كلّ ما يمتّ للنظام البائد بصلةٍ دون أن يُسجّلوا موقفاً للتاريخ يدافعون فيه عن أنفسهم.

أثناء انتصار الثورات أو الانقلابات العسكرية أو سقوط الإمبراطوريات أو التحرر من الاستعمار، تلجأ القيادات المنتصرة أو التي تصدّت لقيادة المرحلة إلى إجراءاتٍ استثنائيةٍ لمواجهة الحالة الجديدة، أبسطها إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية وتعطيل الدستور والحياة السياسية وتقييد الحريات، وذلك لمرحلةٍ انتقاليةٍ محدودة المدة لمعالجة ضرورات المرحلة وإرساء أسس النظام الجديد.

وبالتأكيد إنّ القيادة الانتقالية لن تُجري انتخاباتٍ على أيّ مستوى قبل التخلّص من أزلام المرحلة السابقة وكتابة دستورٍ يُحدّد العلاقة بين المجتمع نفسه وعلاقته مع الدولة، والاتفاق على نموذج الدولة وتوجهاته وتعريف موقعها وتقديمه للداخل والخارج.

واجهت (وتواجه) القيادة السورية تحدّياتٍ كبرى داخلية وخارجية معروفة للجميع، لكنها آثرت أن تأخذ منحى مختلفاً قليلاً بحيث يتمّ قيادة مرحلةٍ انتقاليةٍ لا تستند فقط إلى الشرعية الثورية التي تملكها، بل تُضفي ظلالاً دستوريةً وشعبيةً ضمن المتاح، فلجأت إلى مؤتمر حوارٍ وطنيٍّ (على كلّ عِلاته إلا أنه يؤكد على أهمية المشاركة الشعبية)، وتمّ كتابة وإقرار إعلانٍ دستوريٍّ موسّعٍ يغطي كثيراً من متطلبات الدستور الدائم ويُضفي شرعيةً دستوريةً على أعمال العهد الجديد.

وبإمكان القيادة تجاهل ذلك استناداً إلى شرعيتها الثورية التي نالتها في مؤتمر النصر الذي منح فيه المنتصرون الشرعية الثورية للقيادة الجديدة، وكان بإمكانها عدم اللجوء إلى حوارٍ وطنيٍّ وتأجيله لحين تأمين الأمن والاستقرار وتوحيد البلاد وفرض شرعية وسيادة الدولة على أراضيها، وبإمكانها أن تلجأ لشرعةٍ دستوريةٍ مختصرةٍ وضبابيةٍ تتألف من عدة نقاط…

لكنّ القيادة ارتأت أن تُجري انتخاباتٍ برلمانيةٍ تُناسب المرحلة لتأمين أوسع مشاركةٍ شعبيةٍ ممكنة في بناء مؤسسات الدولة الجديدة ومراقبة أداء السلطة التنفيذية وتحديث وإصدار القوانين اللازمة، في خطوةٍ تُشير إلى عدم استعمال السيد الرئيس لكلّ صلاحياته بتعيين المجلس كاملاً أو بعدم تعيين مجلسٍ أبداً.
ومهما كانت الملاحظات على طريقة الترشّح والانتخاب عبر الهيئات الناخبة، فإنها الطريقة المتوفرة الآن وليست المثالية في ظلّ تعذّر إجراء انتخاباتٍ طبيعيةٍ حالياً.

أعطى الإعلان الدستوري صلاحيةً استثنائيةً للرئيس في تعيين ثُلث الأعضاء منه مباشرةً، وقد لاقى هذا النصّ اعتراضاتٍ كثيرةً حول أحقية سلطةٍ تنفيذيةٍ في تعيين أعضاء من السلطة التشريعية، حيث وجدوا في ذلك عدمَ الفصل بين السلطات الثلاث وهيمنةً جزئيةً للسلطة التنفيذية على السلطة التشريعية.
وبعد إجراء الانتخابات، تنادى كثيرٌ من المعترضين لكي يتدخّل الرئيس بتعيين الثلث الذي من حقّه لإصلاح بعض عيوب النتائج الانتخابية، لجعل أول مجلسٍ نيابيٍّ بعد الأسد ممثلاً بشكلٍ أفضل لكلّ الشرائح والمكوّنات، حيث في المجلس القادم ستكون العملية الانتخابية طبيعية لأنّ شروطها ستكون قد توفرت.

ويمكننا تسجيل الملاحظات التالية التي قد يعتمدها الرئيس في تعيين الثلث الخاص به:

  1. لا يُلزِم الإعلان الدستوري الرئيسَ بأيّ ضوابط أو اشتراطاتٍ تتعلق بحصّته، حيث يمكن للرئيس أن يُعيّن الثلث كله من محافظةٍ واحدة مثلاً، أو جنسٍ واحدٍ (رجال أو نساء)، ولا تُلزمه بأن يُجامل طوائف بعينها أو مناطق بذاتها، وتمّ إعطاء الحقّ له لترميم المجلس وفق مصالح الدولة العليا التي يقودها.
  2. يدرك الرئيس أنّ المجلس يحتاج إلى تكنوقراط في مجالاتٍ عديدة كالقانون الدولي والمعاهدات الدولية على سبيل المثال، وهؤلاء الأشخاص قد لا يُجيدون عملية التواصل مع الجمهور ولا يحققون شعبيةً بينهم، أو أقاموا خارج سوريا لفتراتٍ طويلةٍ وعادوا بعد التحرير، وبالتالي وجودهم ضروريٌّ في المجلس.
  3. لوحظ أنّ نسبة النساء اللاتي نجحن في الانتخابات الماضية لم تتجاوز ستّ سيدات، وهو عددٌ قليل جداً، مع أنّ الكوتا النسائية منحتْهنّ 20% من الهيئات الناخبة، وبالتالي لم تُصوّت النساءُ للنساء، ولم ينعكس وجودهنّ في الهيئات الناخبة على نتائج الانتخابات، ويمكن للرئيس إضافة بعض النساء لضمان تمثيلهنّ بشكلٍ أفضل.
  4. بما أنّ المكوّنات المجتمعية منتشرة في عموم الجغرافيا السورية ولا توجد منطقةٌ تُشكّل فيها الأقلياتُ أغلبيةً على مستوى المحافظات، فقد لوحظ على سبيل المثال نجاح عضويْن مسيحييْن فقط، مع أنّ نسبة المسيحيين في سوريا تتجاوز 5%، وهم بحاجةٍ إلى عدد أعضاء أكبر لتمثيلهم.
    فعلى سبيل المثال في منطقة محردة المسيحية نجح مسلمٌ سنّيٌّ لمقعدها ينتمي إلى ريف المدينة، والسيد الرئيس قد يعمل على زيادة تمثيلهم باستمزاج آراء رجال دينٍ وفعالياتٍ مسيحيةٍ يرشحون له أشخاصاً مؤهّلين لتمثيل حواضنهم.
    وأيضاً دير الزور المدينة لم ينجح أحدٌ من ممثليها واستحوذ ريفها على المقاعد، وبالتالي قد يلجأ الرئيس إلى تعيين ممثلين لها، ومثلها حالاتٌ كثيرة.
  5. في الانتخابات المقبلة للبرلمان القادم بعد انتهاء المرحلة الانتقالية ستكون الانتخابات طبيعية، بمعنى وجود قانون أحزابٍ وحياةٍ سياسيةٍ وبرامج تتنافس عليها الأحزاب، وبالتالي سينتج برلمانٌ طبيعيّ، ولا حاجة حينها لاحتفاظ الرئيس بحقّ تعيين أيّ أحدٍ في مجلسٍ منتخب، إنما قد يكون ضرورياً تشكيل مجلس شيوخٍ يتمّ التوافق عليه بالعقد الاجتماعي القادم ويتمّ دسترته، وقد تتدخل السلطة التنفيذية في رسم ملامحه لضمان حقّ المواطنة للجميع.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني