التمثيل في سوريا بين الواجهات والطوائف وفجوة السلطة

0

في النقاش السوري اليوم، تتكرر عبارة تبدو للوهلة الأولى بديهية، فلان لا يمثل الطائفة الفلانية. لا يمثل الشيخ الهجري الدروز، ولا تمثل قسد الأكراد، ولا يمثل الشيخ غزال العلويين، ولا يمثل الرئيس أحمد الشرع السنة. العبارة مريحة أخلاقياً، وتمنح قائلها شعوراً بالتمايز النقدي، لكنها تخفي تحت بساطتها مأزقاً تحليلياً عميقاً. فهي صحيحة جزئياً، وخاطئة سياسياً، ومضللة إذا لم تُفكك بعناية.

المشكلة الأولى في هذا القول إنه يفترض وجود شيء اسمه إرادة جماعية متجانسة، إرادة درزية، أو كردية، أو سنية، أو علوية، تنتظر من يجسدها. هذا الافتراض لا يصمد أمام أي فحص سوسيولوجي جدي. الطوائف والقوميات ليست كتلاً صمّاء، بل فضاءات اجتماعية متشظية، تختلف داخلها المواقع الطبقية، المصالح الاقتصادية، الخبرات التاريخية، وأنماط العلاقة مع الدولة والعنف والسياسة. فما لا يملك جهاز قرار موحد لا يمكن أن يُمثَّل تمثيلاً كاملاً، بل فقط تمثيلاً جزئياً ومتنازعاً عليه، الخطأ الأكبر ليس في الافتراض وحده، بل في اختزال التمثيل لمجرد مسألة أخلاقية أو عددية، من انتخب من؟ ومن يحظى برضا الأغلبية؟ ففي سياق دولة مدمَّرة مثل سوريا، هذا السؤال يفقد معناه. التمثيل هنا ليس تفويضاً ديمقراطياً، بل وظيفة سياسية تُنتَج داخل بنية قوة مختلة. ولفهم ذلك، يجب التمييز بين ثلاث طبقات للتمثيل تعمل معاً، أحياناً بانسجام وأحياناً بتناقض.

الطبقة الأولى هي التمثيل الخطابي، من يملك اللغة، الرموز، والسردية القادرة على الادعاء بأنها تتحدث باسم جماعة مهددة أو مظلومة كالشيخ الهجري فهو لا يمثل كل الدروز اجتماعياً ولا سياسياً، لكنه يتكلم بلغة حماية الجماعة في لحظة خوف وجودي. هذا الخطاب وحده كافٍ ليمنحه موقع الناطق، حتى من قبل خصومه. التمثيل هنا لا يقوم على الإجماع، بل على القدرة على تسمية الخطر وصياغته.

الطبقة الثانية هي التمثيل التنظيمي، من يملك جهازاً، سلاحاً، إدارة، أو قدرة فعلية على فرض قواعد. قسد لا تمثل كل الأكراد، لكن امتلاكها لبنية عسكرية وإدارية جعلها الفاعل الوحيد القادر على ملء الفراغ في مناطق واسعة. هذا النوع من التمثيل لا ينبع من التفويض، بل من السيطرة. الأمر نفسه ينطبق على شخصيات مثل الشيخ غزال، الذي لم يكن ممثل العلويين بقرار منهم، بل واجهة بيروقراطية فرضها النظام السابق، وأغلق عبرها أي إمكانية لتمثيل بديل.

الطبقة الثالثة هي التمثيل الخارجي، من تعترف به القوى الدولية، الإعلام، والمنظمات بوصفه ممثل شرعي. فالرئيس أحمد الشرع لا يمثل السنة بوصفهم جماعة دينية أو اجتماعية، لكنه يُقدَّم أحياناً كعنوان سني قابل للتفاوض في بيئة تبحث عن أي طرف منضبط يمكن التعامل معه. الاعتراف الخارجي لا يعكس بالضرورة وزناً داخلياً، لكنه يصنع تمثيلاً بحكم الأمر الواقع.

في هذا السياق، يصبح القول إن فلان لا يمثل الطائفة نصف حقيقة.

نعم، لا يوجد تفويض شامل ولا تمثيل أخلاقي جامع. لكن في الوقت نفسه، هؤلاء الأشخاص والبنى يؤدون وظائف تمثيلية حقيقية داخل نظام مشوَّه. هم لا يعبرون عن الجماعات، بل عن مواقع قوة داخلها، أو فوقها. فالخلل في الخطاب العام السوري هو الخلط بين سؤالين مختلفين:

هل هذا الفاعل يمثل الجماعة تمثيلاً عادلاً؟ وهل يؤدي دوراً تمثيلياً في موازين القوة القائمة؟

الأول سؤال معياري مشروع، لكن الثاني هو السؤال السياسي الحاسم. تجاهله يقود إلى وهم خطير هو وهم أن المشكلة في الأشخاص لا في البنية. ففي سوريا، لسنا أمام أزمة سوء تمثيل، بل أمام غياب شروط التمثيل أصلاً، لا انتخابات، لا حريات تنظيم، لا مجال عام، ولا تداول نخب. في هذا الفراغ، لا تظهر الواجهات لأنها تعبّر عن قواعد شعبية متماسكة، بل لأنها تسد فجوة السلطة، فالتمثيل هنا يُفرَض من الأعلى أو يُصنَع في الخارج، ولا يُنتَج من الأسفل.

لهذا، يصبح الاختزال الطائفي أداة أيديولوجية فعالة. حين يُقال إن الرئيس الشرع يمثل السنة وأن قسد تمثل الأكراد، يُختزل مجتمع كامل في بنية عسكرية. وحين يُقال إن شيخاً يمثل العلويين أو الدروز، يُختزل تاريخ اجتماعي وسياسي معقّد في عمامة. هذا الاختزال لا يفسر الواقع، بل يديره.

الخلاصة ليست أن هؤلاء الأشخاص أو الجهات لا يمثلون أحداً على الإطلاق، بل أنهم يمثلون وظائف محددة داخل النظام السياسي السوري الحالي عبر مشاريع سياسية تستخدم الهويات الطائفية أو القومية كأدوات لتحقيق أهدافها، بدل أن تعبّر عن مصالح حقيقية للجماعات نفسها بشكل جمعي وطني. المشكلة الأساسية ليست في الشخصيات أو الواجهات، بل في البنية السياسية والنظامية الذي جعل من هذه الواجهات بدائل عن التمثيل الحقيقي والمباشر، باعتبار أن الحالة في الدول المستقرة، هي التنازع على التمثيل داخل المؤسسات والخضوع لضوابط قانونية واجتماعية، أما في سوريا، فقد غابت هذه الشروط تماماً، فصار التمثيل يُفرَض من الأعلى أو يُصنع عبر اعترافات خارجية، بدل أن يُنتَج من قواعد شعبية أو مؤسساتية. هذا هو جوهر المأزق السوري: تمثيل مفروض في فراغ مؤسسي، لا يمثل الجماعات بل مواقع القوة داخلها وفوقها.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني