
الاستقرار بعد سقوط نظام الأسد… الأولوية لتجنب الفوضى وتمكين التغيير الديمقراطي
كان من المتوقع بعد سقوط نظام الأسد أن تواجه القوى الديمقراطية السورية تحدياتٍ كبيرةً في المساهمة الفعلية في عملية إعادة بناء سوريا على أسس جديدة. والسبب في ذلك أن الظروف التي عاشتها هذه القوى قبل وأثناء الثورة لم تكن تسمح لها بلعب دور حاسم في عملية التحرير، ولا في تشكيل قوة سياسية قادرة على فرض توازن داخلي يحقق أولوية تفوق خلق صراعات جديدة قد تضعف العهد الجديد، وتفتح الباب أمام قوى الثورة المضادة للانقضاض عليه.
طوال سنوات الصراع السياسي مع نظام الاستبداد الأسدي، تعرّضت القوى الديمقراطية في سوريا لحالة من التهميش والقمع، سواءً من قبل النظام أو بعض الفصائل المسلحة التي نشأت خلال الحرب. هذا الواقع جعلها عاجزة عن تنظيم نفسها في أطر سياسية تحالفية بشكل يسمح لها بقيادة المرحلة الانتقالية بفعالية أو المشاركة في قيادتها.
وفي ظل غياب بنية ديمقراطية متماسكة، فإن أي فراغ سياسي أو أمني عقب سقوط النظام قد يؤدي إلى صراع بين قوى غير ديمقراطية، مما يهدد بتحويل البلاد إلى ساحة للفوضى والتجاذبات الإقليمية والدولية.
وعليه، فإن الذهاب نحو تحقيق الاستقرار في المرحلة الأولى بعد سقوط النظام هو خيار استراتيجي يهدف إلى حماية البلاد من الانهيار الشامل، وليس تنازلاً عن المبادئ الديمقراطية. فالاستقرار يوفر بيئة مناسبة لإعادة بناء المؤسسات، واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع، وتهيئة الأرضية للحياة السياسية الطبيعية. في المقابل، فإن إثارة صراعات داخلية مبكرة، سواء حول تقاسم السلطة أو الهوية السياسية للنظام الجديد، قد يمنح قوى الثورة المضادة فرصة لاستغلال الانقسامات والانقضاض على العهد الجديد، مما يعيد البلاد إلى مربع الاستبداد أو الفوضى.
الاستقرار لا يعني تجميد المطالب الديمقراطية، بل هو مرحلة ضرورية لتوفير الظروف الملائمة لنشوء حركة مطالب شعبية تعنى بالحريات وحقوق الإنسان وتحسين مستوى المعيشة. مع الوقت، وعبر استعادة الحياة المدنية والاقتصادية، ستبدأ هذه الحركة في فرض ميزان قوىً جديد لم يكن متاحاً خلال فترة الصراع. بذلك، يمكن تحقيق التحوّل الديمقراطي بطريقة أكثر أماناً وفعالية، دون المخاطرة بإغراق البلاد في موجات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
إن سقوط نظام الأسد لن يكون نهاية الصراع من أجل الحرية والديمقراطية، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب وعياً سياسياً عالياً لإدارة التحديات التي ستواجهها سوريا. تحقيق الاستقرار هو الخطوة الأولى والأساسية نحو بناء دولة حديثة توفر مناخاً يسمح للقوى الديمقراطية بالنمو والتأثير التدريجي، بدلاً من دفع البلاد نحو صراعات داخلية قد تكون مدمرة أكثر من النظام نفسه.
بهذا المعنى، لا يكون التوجّه نحو تحقيق الاستقرار شكلاً من أشكال التنازل عن مهام المرحلة الوطنية الديمقراطية، فمهام هذه المرحلة لا تزال ضرورة تاريخية للعبور بالمجتمع والدولة السوريين إلى فضاء الدولة العصرية المنشودة، الدولة التي تؤمن بحرية الفرد والأحزاب والفكر، وتؤمن بالتعددية السياسية وليس السباق الإيديولوجي، الدولة التي تُبنى على قاعدة فصل السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، وهذا لم تلُح بوادره بعد.
إن العمل على تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد هو مهمة كل القوى الوطنية عموماً والوطنية الديمقراطية خصوصاً. هذه المهمة ترتكز على عوامل يجب تحقيقها، منها عامل سيادة القانون باعتباره الفيصل في تنظيم كل أنساق الحياة المجتمعية في الدولة السورية الجديدة. هذا العامل لن يعمل بصورة طبيعية في حالة تثبيت حكم اللون الواحد، لأنه في هذه الحالة يلعب دوراً تمييزياً وتفاضلياً على قاعدة الإيديولوجيا، مما يسمح بتشكيل بؤر رفض سياسية لهذه الحالة، والتي ستراكم مع استمرار حالة التمييز حالة من الانقسام المجتمعي على أرضية إيديولوجية.
كذلك، الإصرار على عدم تركيز السلطة بيد فردٍ أو مجموعة إيديولوجية أو سياسية أو حتى طائفية، وهذا يجب النصّ عليه في الإعلان الدستوري أولاً، والنصّ عليه في الدستور السوري الجديد الذي سيتم كتابته والاستفتاء عليه لاحقاً. وفي حالة عدم مرونة العهد الجديد في هذه العتبة السياسية والقانونية، فإنه يكون انحاز دون قصدية أو بها إلى تثبيت حكم اللون الواحد، مما سيفتح لاحقاً بوابات صراع كبيرة وانقسامات مجتمعية لا يحتاجها الشعب السوري بالمطلق، لأنها تهدّد وحدته واستقراره.
إن العهد الجديد الذي أبقى الحقائب الوزارية السيادية تحت سيطرة أنصاره لا يبدو أنه يفكّر عميقاً بنتائج هذه السيطرة على الوحدة المجتمعية. لذلك، ينبغي على الحكومة الانتقالية أن تعمد إلى سنّ قوانين تعتمد على حرية تشكيل أحزاب سياسية وطنية غير فئوية، وقوانين تسمح بحرية العمل الإعلامي تحت سقفها الواسع، إضافة إلى قوانين تتيح لقوى المجتمع المدني أن تمارس دورها في تأطير الحياة المدنية في المجتمع وتطوير هذه الحياة.
والسؤال: هل ستذهب الحكومة الانتقالية إلى هذه الخيارات أم إنها ستلتف عليها من خلال الاستمرار بسيطرة اللون الواحد على السلطة؟
الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى متابعة ومراقبة ما يعتمده العهد الجديد من سياسات تظهر بنيته، وبالتالي تظهر توجهاته الحقيقية.