الاستثمار في سوريا خيار استراتيجي وليس لمنافع اقتصادية

0

يرى كثيرون أنّ الزلزال السياسي الذي حدث في سوريا بانهيار مفاجئ لنظام الأسد يُعَدّ تحولًا جيوسياسيًا رئيسيًا في المنطقة، وما بعد انهياره لن يكون كما قبله، حيث كان نظام الأسد منذ نشأته يعتبر عنصرًا مهمًا في معادلات الأمن القومي في الإقليم، فهو يؤدي خدمات مباشرة أو غير مباشرة جعلت منه ركيزة هامة بحيث لا يتوجّب الاستغناء عنه أو الإطاحة به، وظهر ذلك جليًا في مناسبات عديدة، كان آخرها السكوت المطبق على جرائمه بحق الشعب السوري، والتي فاقت أيّ تصور وتجاوزت الخطوط الحمراء لرئيس أمريكي.

كانت سوريا الأسد الركيزة الأساسية لتحالف الأقليات في المنطقة ضد البحر العربي السني، وازدادت أهميتها بوصول الثورة الخمينية إلى حكم إيران، وبالتالي انخراطها في محور شيعي سُمّي لاحقًا “الهلال الشيعي”، وترسّخ حضوره بعد الغزو الأمريكي للعراق والإطاحة بالسنة من حكم العراق، فشكّلت سوريا خيط المسبحة لذلك الهلال الذي استحوذ على أرض الرافدين وبلاد الشام، وكان المُخطِّط الاستراتيجي الغربي يأمل في تحالف علني وتطبيع شيعي مع الدولة اليهودية، والذي ركيزته وجود عدو مشترك ظهر واضحًا بعد ضربات أيلول 2001 في الولايات المتحدة.

وكان المتشائمون من بناء تحالف أقليات حقيقي ومعلن بين اليهود والشيعة يضعون بدائل له لبناء تخادم، وهو الذي استمر لغاية 7 أكتوبر 2023، بحيث يكون التخادم مضبوطًا برعاية روسية أمريكية، ولا مانع من ضبط صراع خفيف اللهب بين اليهود والشيعة، وهو ما حصل فعلًا إلى أن نكث الملالي بعهودهم وضربوا إسرائيل ضربة بمقتلها، فانهارت كل الأحلام والخطط الاستراتيجية الأمريكية، وظهر فشلها، وتحولت الصداقة المحتملة بين تل أبيب وطهران إلى حرب مباشرة بعد أن تمّت الإطاحة بعصر التخادم بينهما.

استغلت الثورة السورية الظرف الدولي الذي نشأ من هذا الصراع، واستغلت معه ركون الأسد إلى حالة النصر الكاذب والانفصال عن الواقع التي أوهم نفسه بها ومعارضيه، ووصلت قوات الثورة إلى دمشق ودكّت حصون الأسد والملالي، وأعادت لها أمويتها المسلوبة، وبات الحلم السني في المنطقة أمرًا واقعًا بعودة سوريا إلى طبيعتها وتأمين حلقات المحور السني قيد التشكل من بحر العرب جنوبًا إلى البحر الأسود شمالًا، جارفًا في طريقه المحور الشيعي الأفقي الذي ربط بحر قزوين شرقًا بالبحر الأبيض المتوسط غربًا.

التغيير السياسي الذي حصل في سوريا يمكن اعتباره موجّهًا للعدوين اللدودين إيران وإسرائيل معًا، وقد أثبتت الحرب التي دارت بينهما بمقايضة غير معلنة، حيث تمسكت إسرائيل بنظام الأسد لأنه منذ عقود يؤمّن حدودها الشمالية من أي خرق ولا يطالب باستعادة الجولان، ومن أجل هذا الهدف فهي مضطرة لغض الطرف عن تحوّل سوريا إلى ممر بري لإيران لتسليح حزب الله، حيث تقوم إسرائيل، بمساعدة وتغطية روسية، بكل جهودها لضرب الشحنات التي تصل إلى الأراضي السورية، وهذه التفاهمات والتخادمات كلها أطاح بها انتصار الثورة السورية وإغلاقها لهذا المحور، وبروز جبهة جديدة لإسرائيل في سوريا الجديدة، وهي تصنيف سوريا كتهديد محتمل يتحول إلى خطر عند امتلاكه الأدوات اللازمة، وهو ما يفسّر النهج العدواني الإسرائيلي تجاه العهد الجديد في سوريا.

ويُمثّل تقويض الاستقرار وإفشال التجربة الوليدة في سوريا هدفًا إيرانيًا إسرائيليًا مشتركًا، فيما يتعارض ذلك مع التوجّه العربي والتركي والأمريكي والأوروبي، كلٌ لأسبابه وبدرجات مختلفة. حيث نرى بشكل واضح تشجيع إيران وإسرائيل لحركات التمرد على الحكومة المركزية لإفشالها، بل وإسقاطها إن أمكن، حيث تمثل تلك الحكومة الأمل في استعادة وحدة الأراضي السورية وتوحيد الشعب السوري، خوفًا من تكرار سيناريو ليبي أو سوداني أو يمني.

في المقابل، يتم تقاسم المهام بين العرب والأتراك لدعم الحكومة وتوفير أسباب صمودها أمام المخططات الإسرائيلية والإيرانية، حيث يتولى العرب الجانب الاقتصادي والسياسي، فيما يتولى الأتراك الجانب الأمني والعسكري.

في بلد خرج لتوّه من حرب طاحنة استمرت خمسة عشر عامًا، تكللت بانتصار عسكري حاسم لثورة كان حاملها الرئيسي المجتمعي من الأغلبية العربية السنية، ظهر واضحًا منذ الأيام الأولى أنّ أعداء ذلك النصر كثيرون ولهم ظهير خارجي داعم، بل إنّ القوة العدوانية الرئيسية في المنطقة والمجاورة لسوريا (إسرائيل) لا تُخفي سياساتها، بالمجاهرة بالقول إنّ سوريا يجب إضعافها وتقسيمها إلى كانتونات متناحرة. كما أنّ السلطة الجديدة في دمشق تواجه عمليًا تحديات كبيرة في توحيد البلاد وحصر السلاح بيد الدولة.

بالإضافة إلى وجود تحديات داخلية كبيرة تُثني أيّ مستثمر عن دخول السوق السورية، منها وجود عقوبات متعددة، حتى رفع الرئيس الأمريكي لمعظم العقوبات الأمريكية يلقى معارضة داخلية من الكونغرس، ويقود تلك المعارضة بالطبع اللوبي الإسرائيلي، إضافةً إلى عدم توفر بيئة قانونية وأمنية لتشجيع المستثمرين على المغامرة، وإنّ توفير الإصلاحات الضريبية وتفعيل المنظومة البنكية وتحديثها يحتاج إلى وقت.

المعروف أنّ رأس المال جبان ويبحث عن الفرص في البيئات المستقرة، وهذه بديهية لأنّ غاية المستثمر هي الربح، وسوريا الحالية بظروفها واضطراب مستقبلها لا تتوفر فيها تلك الحوافز، حيث بإمكان المستثمر الانتظار حتى تتحقق الظروف الطبيعية لاستثمار مجدٍ. أما أن يتم استجلاب المليارات وتشكيل مجلس أعمال سعودي سوري بدعم من الأمير محمد بن سلمان، وأن يتم الإعلان عن عشرات مذكرات التفاهم والاتفاقيات مع شركات قطرية وإماراتية وتركية وأمريكية وفرنسية، وباحتفاء معلن في قصر الشعب بحضور ومباركة من رئيس الجمهورية، وحضور ممثل الرئيس الأمريكي، فهو حدث ليس بالاقتصادي وإن كان هو الظاهر، بل إنه استثمار سياسي بواجهة اقتصادية في سوريا.

وقد كان الإنزال السعودي لكتيبة الاستثمار السعودية في قصر الشعب واضحًا ويحمل رسائل جلية، حيث أتى بعد افتعال أحداث السويداء وقصف إسرائيل لدمشق، والرسالة هي: سوريا دولة آمنة ومستقرة، ودعم التغيير السوري مسألة محسومة، وثقل المملكة العربية السعودية كله خلف القيادة السورية. وحضور ممثل عن الرئيس الأمريكي يعني أنّ العقوبات الأمريكية أصبحت من الماضي، بغض النظر عن الإرهاصات الداخلية بشأنها، وأنّ بوصلة سوريا الجديدة برعاية أمريكية، والأمريكان ضامنون لخروج سوريا من مخاضها.

باعتقادي، إنّ من يريد الاستثمار في سوريا لا يبحث عن الأرباح المالية، حيث تتوفر أسواق كثيرة في جوار سوريا تنطبق عليها شروط الاستثمار الناجح، بل إنّ الاستثمار في سوريا استثمار سياسي ليست الغاية منه مالية، بل ترسيخ أسس الدولة السورية الجديدة وإنجاح عملية التغيير، حيث ستلعب سوريا دورها الجديد في التناغم مع محيطها العربي والتركي، والمتآلف مع البوصلة الدولية، في ضمان استقرار المنطقة والحرب على الإرهاب الداعشي، ومنع عودة إيران وفلولها إلى سوريا للعبث بأمن المنطقة والعالم، وقد يكون النموذج السوري (بعد اكتماله) خيار كل الدول والمجتمعات التي تعاني من الاضطراب والاستبداد والفوضى.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني