الأثر والتأثير التركي في سورية

0

إن المقصود بالتأثير التركي أيْ ما يحصل نتيجة التخطيط والمبادرة والنشاط والتنفيذ التركي، أمّا الأثر فهو ما يحصل وينتُج بفعل اللاعبين الأقوياء ولكن بسبب وجود تركيا وجوارها واهتمامها بسورية.

ولابدّ من تأكيد ما قلتُه سابقاً وهو: إن تركيا كانت هي أكثر الدول المتضرّرة مصالحها من اندلاع الثورة السورية وتهديدها بإزالة النظام الحاكم، وذلك لأسباب عديدة أبرزها:

1- سيطرة النظام وسلطته على الكوردستانيين وتيارهم الانفصالي وضبطهم، واستمرار النظام بالقيام بالحماية التامة للحدود التركية مع سورية وتخفيف هذا العبء عن الجانب التركي، وكذلك استقطاب وإشغال وإلهاء العلويين السوريين في شؤونهم داخل سورية.

2- إن النظام قد حوّل سورية إلى حديقة خلفية لتركيا وجعلها مصدراً لبعض المواد الخام والأولية وسوقاً مفتوحاً وسهلاً للبضاعة والمنتجات والصناعات التركية، ومصدراً للسيّاح حيث كانت أعداد كبيرة من السوريين تذهب للسياحة في تركيا.

وإن هذا يعني المصالح التركية العليا والأمن القومي التركي، ولذلك فإن القيادة التركية بادرت وحاولت التعامل مع الثورة واستيعابها ولكن بالعقل، فنصحت رئيس النظام بالإصلاح الحقيقي ولكن النظام رفض أي إصلاح.

وهنا فإن تركيا اختلفت وتميّزت عن جميع الدول الأخرى حيث إنها أدركت مبكراً وقبل غيرها أن النظام سيسقط لا محالة بل هو في حكم الساقط، كما أدركت بأن مصالحها في سورية هي مع الشعب السوري وستكون مصالحها معه وليس مع النظام الطائفي الذي كان يحكم سورية، كما عزّزت تركيا إدراكها بأن الشعب السوري الحقيقي والفاعل هو الغالبية من العرب السنّة.

وقد بادرت تركيا وسارعت في العمل واللعب في سورية بناء على هذه الإدراكات، فكانت خلاصة توجهاتها هي:

1- الإسراع في إسقاط النظام الذي رفض الإصلاح ولم يعد قادراً على البقاء وبات غير قابل لإعادة التأهيل.

2- دعم الشعب السوري ودعم الثوّار والمعارضة السياسية ومؤسسات المعارضة.

وقد كان للدعم التركي والرعاية والتوجيه التركي آثار كبيرة على الأرض، وقد امتلكت تركيا أدوات وأوراقاً عسكرية وسياسية وأصبحت لاعباً فاعلاً.

وإن هذا لم يُعجب اللاعبين الكبار بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

فما الذي حصل بسبب المبادرة واللعب التركي؟

أولاً: بعد السماح لعصابات حزب إيران اللبناني بالدخول إلى سورية وشنّ حرب ضد الشعب السوري فقد تم السماح والتسهيل لمختلف العصابات والميليشيات الطائفية الشيعية في العالم للمجيء إلى سورية للمساهمة بتدمير سورية وقتل شعبها.

ولكن للتوازي مع تركيا فقد تم تشجيع إيران وتسهيل دخولها إلى سورية بذاتها وبقوات عسكرية، وكان لذلك هدفان وهما:

1- إخماد الثورة السورية وإطالة أمد النظام الوظيفي ومنع سقوطه.

2- وضع حد للّعب والنفوذ التركي وإفشال تركيا ومضاعفة خسائرها لتحريض المعارضة التركية للضغط على الحكومة لكي تنسحب من الملعب السوري.

ثانياً: بعد فشل إيران أمام تركيا فقد طوّر الحلف الأمريكي خطته ورفع سقف أهدافه ووسّع نطاق الملعب السوري، فقد جاء ما عُرف بـ (اتفاق كيري – لافروف) والذي يقضي بدفع روسيا العظمى للتدخل العسكري المباشر في سورية.

وقد كان لهذا الاتفاق أهداف كان من أبرزها: مزاحمة تركيا والاصطدام معها لأغراض متعددة منها إخراج إيران من الملعب السوري وانتزاع ما تملكه من أوراق الملف السوري، إضافة إلى تحجيمها وابتزازها وإخضاعها بشكل عام، ودفعها للقبول بشروط مجحفة داخل حلف الناتو.

ويعلم الجميع أن التدخل العسكري الروسي المباشر قد كان له بالغ الأثر السلبي والمدمّر.

ويُجدر بالذكر بأن تركيا – صحيح أن وجودها الطبيعي قد تسبب بالتدخل الروسي وبكارثيته – ولكن تركيا قد عملت الكثير وضحّت حتى شارفت على خوض حرب ضد روسيا العظمى، وقد بقيت تركيا تصارع وتناور وتماحك حتى حققت أعلى قدر ممكن من التوازن والتماسك وأقل قدر ممكن من الخسائر والتراجع.

– وأمّا أوضح وأقوى تأثير تركي فهو ما يتعلّق بالانفصاليين الأكراد؛ حيث إن مشروع كوردستان والانفصال هو مشروع أمريكي، لكن تركيا استخدمت كامل وزنها الجيوسياسي وحجمها داخل حلف الناتو واستخدمت جميع قواها لكي تطوّق كوردستان سورية وتربكه وتمنع توسعه على الأرض، وفعلاً فإن تركيا عسكرياً وبالقوة استطاعت أن تمنع أن يصبح كوردستان أمراً واقعاً.

ثم إن الأمريكان – وبسبب الصراع الدولي في أوكرانيا وحاجة الأمريكان والناتو إلى الدور التركي الحيوي وحرصهم على رضا تركيا وعدم إغضابها – فقد اضطروا إلى تجميد وإرجاء مشروع كوردستان.

ولكن الأمريكان لم ينهوا مشروعهم بشكل كامل بل ظلّوا محتفظين به مجمّداً، وظلّوا يديرونه ويراعونه بحيث يكون جاهزاً لإعادة إطلاقه عندما تسمح بذلك الظروف الأمريكية، كما أن الأمريكان وحلفهم يضغطون على السلطات في دمشق للتفاوض والتحاور والتصالح مع الكوردستانيين، وفي الوقت نفسه يشجعون الانفصاليين على مواصلة نشاطاتهم المعادية لسورية وللحكومة الانتقالية ومطالباتهم بالانفصال ومحاولاتهم بالتوسع والاستيلاء والابتزاز وفرض الأمر الواقع، لكن تركيا هي التي تمنع ذلك فعلياً وعلى الأرض.

– والآن وبعد سقوط النظام الطائفي وزواله وقيام إسرائيل المحتلة بتغيير تام لكامل سياساتها وإقدام إسرائيل على الاقتحام والتوغل والتوسع والاحتلال، ولقد كان من إحدى أسباب التوسع الإسرائيلي هو مناحرة الأتراك ومنافستهم وخاصة بعد استبعاد إيران من سورية وبقائها فراغاً يسهل الاستيلاء عليه حسب رؤيتهم.

لكن تركيا لم تهتم لإسرائيل ولم ترهبها وتخِفْها وتمنعها من اللعب والتدخل القوي في هندسة سورية الجديدة.

– وأمام هذا التصميم التركي فقد قرر الإسرائيليون ومعهم الأمريكان وحلفاؤهم العودة إلى روسيا وإعادتها إلى الحلبة السورية للتزاحم مع الأتراك، وذلك بإغراء روسيا بالبقاء في قاعدة حميميم بشروط معينة والاستفادة من الموانئ السورية والتلويح بإعطاء روسيا بعض الامتيازات في مجال النفط والمناجم وفي مجال الاستثمار وإعادة الإعمار، ولكن إن كل ذلك يبدأ بقيام روسيا بالتواجد والتمركز في جنوب سورية وتعهد روسيا بضمان أمن إسرائيل ومراقبة انتشار الجيش السوري في جنوب سورية وفق شروط إسرائيلية سوف تتضمنها اتفاقيات مرتقبة.

وفعلاً لقد بدأ تواجد ونشاط دوريات عسكرية روسية في جنوب سورية.

وهذا هو مضمون وسقف ما قيل إنه تعاون عسكري بين كل من روسيا وسورية ولا شيء أكثر من ذلك.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني