إنه زمن الدول الوطنية لا ميليشيات في سوريا والمنطقة.

0

يَستمرّ المشهد السوري بالتشكّل ليُخبرنا عن سوريين فهموا اللعبة الدولية الجديدة وتغيرات المرحلة وضرورات بناء الجغرافيا السياسية في المنطقة وترسيخ تموضعهم فيها، وقد تكون سوريا نقطة الانطلاق لهذا البناء، فعملوا على محاولة إيجاد مكان لهم في المشهد الجديد، نافضين عن كاهلهم غبار التاريخ (القريب منه والبعيد) ومدركين أنّ البناء الجديد لن يقوم على الأيديولوجيا أو استخدام مقصات وسكاكين تم استخدامها في السابق حينما كانت ضرورية، ولكنها عادت عليهم بالضرر في أحايين كثيرة، وأقصد هنا عدم اعتماد النظام الدولي على فكرة أن تكون الأقليات (بأنواعها) حجر الأساس لأيّ استراتيجيا يريدون تطبيقها…

راقب السوريون المنتصرون المشهد الدولي وقرؤوه بدقة ودرسوه بعناية، من يرد أن يكون فاعلاً وذا دور عليه أن يكون قوياً ومتناغماً مع التوجه الدولي، ويملك التصور الكامل للمرحلة المقبلة والذي أساسه الدولة الوطنية المستقرة، والتي يتحقق استقرارها الأساسي بأن تكون الأغلبية الأهلية هي التي تَحكُم، بانتظار أن تتمخّض سنوات الاستقرار عن أغلبية سياسية وأقليات سياسية، وهو أمر سيشجع عليه النظام الدولي ولن يصطدم معه أو يعرقله.

وخَيّم اعتقاد راسخ لعقود أنّ الأقليات في المشرق العربي هي الأدوات المفضلة للغرب، ودعمها وتفضيل أن تكون في السلطة وذلك إجهاضاً لمكونات قوة ذاتية يختزنها سكان المنطقة من المسلمون العرب السنة لتكوين إمبراطورية عربية إسلامية تكون نسخة مُصغّرة عن الدولة العثمانية التي قامت على أسس دينية وتُمثّل القوة السياسية للمسلمين (السنّة).

ومن الأسباب التي رَسّخت ذلك الاعتقاد هو خلق دولة إسرائيل في المنطقة كدولة أقليات دينية تكون قوية أو طبيعية بوجود مثيل لها في المنطقة، وإسرائيل دولة يهودية في بحر عربي سني يحيط بها.

كان الغرب وإسرائيل سعداء بوصول حافظ الأسد للسلطة كعلوي أقلوي يحكم دولة مهمة، بل وتم مباركة دور إقليمي يلعبه ضد العرب السنة، وبعد وصول الخميني للسلطة في طهران كان حلف الأقليات المُتخيّل في المنطقة جاهزاً وخرج من الأدراج أو التمنيات إلى الواقع على الأرض، وكانت سوريا الأسد (العلوية) وولاية الفقيه (الشيعية) هي المرتكز القوي لحلف الأقليات والذي استمر من وصول الخميني للسلطة إلى حين فرار بشار الأسد من دمشق..

وقد ترسّخ تحالف الأقليات بعد ضربات أيلول 2001 في الولايات المتحدة والتي تم اتهام المسلمون السنة بها، وبرزت حاجة مُلِحّة لتدعيم فكرة تغييب الأغلبية السنية عن الحكم قدر المستطاع، فتم التمهيد لذلك بالاعتماد على قوة إيران وجعلها تتمدد في المنطقة وتحكمها أو تُهيمن عليها، فتم تحطيم أفغانستان السنية والدولة العراقية العربية السنية خلال أقل من عامين..

انطلق الطوفان الشيعي في المنطقة بعد تحطيم السدود من أمامه وميلاد ما يُعرف بالهلال الشيعي.

راهن الأمريكان على قيام تخاذل إيراني شيعي مع إسرائيل اليهودية لتقاسم الهيمنة والأدوار وتقاسم المصالح في المنطقة، وتلك أوهام المُخطِّط الاستراتيجي الأمريكي المسكون بفوبيا الإسلام السني، والذي لم يفهم المشروع الشيعي في المنطقة على حقيقته مما اضطره وإسرائيل للحرب معه تالياً.

ذلك الصدام بين تحالف الأقليات والغرب لم يفهمه الأقلويون في المنطقة واعتقدوا أنهم سيكونون دائماً أدوات الغرب المفضّلة وحصان السبق الذي سيراهن عليه، ولم يدركون التغيرات الكبيرة التي أدّت لفشل التحالف، بل يمكن تسميته الآن وفي المستقبل بالتخالف بين الأقليات والغرب.

كان السؤال الكبير عند الأمريكان: لماذا لا نتحالف مع الأغلبية السنية في المنطقة والعالم في ظل صراعنا الكبير مع الصين وروسيا وإيران؟ ويبدو أنّ الإجابة على هذا السؤال واضحة لمن يقرأ التحول الاستراتيجي السريع والاستدارة الأمريكية والغربية نحو سوريا الجديدة، ونبذ كل القوى ضمن الأقليات، وإجبار الأقلية الكبرى إسرائيل – التي تسعى لإسقاط الحكم السني الجديد في دمشق – على المهادنة والتخلي عن وضع العصي في دواليب العهد السوري الجديد.

قد يكون ما نشهده اليوم هو تحالف الغرب مع الدول الإسلامية السنية، حيث إنّ العقل السياسي السني تاريخياً هو من بنى الدول والإمبراطوريات الكبرى والتي نشأت في ظلها الحضارات الإسلامية، بينما كان تاريخ الأقليات هو التمرد والعصيان وصناعة مظلوميات لا تنتهي.

يَشتبك الغرب الآن في صراع ساخن منذ ثلاث سنوات مع الأرثوذكسية الروسية في أوكرانيا وليس من مؤشر على نهايتها، كما أنّ الغرب مُشتبك في حرب ساخنة مع الإسلام السياسي الشيعي (ولاية الفقيه) ويسعى لتحطيم مشروعه العابر للحدود والمتصادم مع المشروع الغربي، كما أنّ حرباً باردة تدور حالياً مع الشيوعية الصينية الجديدة وبعضهم يراها كونفوشيوسية شرقية، وهذه الحرب ممكن أن تتحوّل لساخنة في المدى المنظور حيث صراع الأقطاب محتدم الآن وليس من السهل حَلّه وتقاسم النفوذ في العالم.

لذلك أرى أنّ الرعاية الأمريكية لسوريا السنية الجديدة تَصبّ في إطار تشكيل تحالف إسلامي سني في الشرق الأوسط، يمتد من البحر الأسود شمالاً إلى بحر العرب جنوباً، ويكون هذا المحور متناغماً مع بعضه وحليفاً للولايات المتحدة وبرعايتها، حيث تستطيع حينها تركيز كل جهودها على الصين أولاً وروسيا ثانياً وإيران ثالثاً.

بعد اعتماد سوريا الجديدة كشريك استراتيجي ممكن أن يتحول قريباً لحليف، فقد أصبح تأمين استقرار الدولة وازدهارها هدفاً ضرورياً وبدأ حرق الأوراق التي استُعملت لفترة ضد العهد السوري الجديد لأنه لم يبقَ منها أيّ فائدة وستصبح عبئاً على مشغليها، بدأ الإسرائيليون بالتسريبات عبر الواشنطن بوست لحرق الهجري وأتباعه عبر تعريتهم وكشف عمالتهم باكراً وإسقاط سرديتهم ومظلوميتهم، ولم يُقصّر الأمريكان بطريقتهم في التخلي عن عميلهم السابق في الجزيرة السورية عبر دعم جيد لخصومهم في الحكومة السورية والتشارك معاً في حلف واحد، وبالتالي إسقاط مبرّر وجودهم الوحيد، كما أنّ تسريبات النيويورك تايمز بخصوص ضباط الأسد وسعيهم لإثارة القلاقل في سوريا سيجبر الرئيس الروسي على التصرف معهم بطريقة أخرى قد تؤدي لتسليم بعضهم أو كلهم للحكومة السورية لمحاكمتهم في ظل اطمئنان موسكو لمستقبل قواعدها على المتوسط، وتصريح بوتين الواضح مؤخراً أثناء زيارة الوفد الوزاري السوري إلى موسكو عن دعم الحكومة السورية في استعادة السيادة الكاملة على كل أراضيها وحصر السلاح الشرعي بيدها، وإدانة الخروقات الإسرائيلية لأراضيها، بل يُقال بأنّ موسكو تقوم برضا واشنطن في تقريب وجهات النظر بين تل أبيب ودمشق للوصول لاتفاق أمني قريب.

في زمن سيادة الدول الوطنية على أراضيها الذي بدأ الآن، لن يكون بالمنظور الأمريكي وجود لأيّ ميليشيات سواء في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وستكون الميليشيات على الأرض السورية أول المُتبخّرين في المدى القريب بل القريب جداً، وستترسخ شراكة استراتيجية مع سوريا السنّية.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني