إلى متى…

0

في الحقيقة، ترددت كثيراً قبل البدء في كتابة هذا المقال، خصوصاً بعد انقطاعي لما يقارب العام والنصف عن الكتابة في الشأن الاقتصادي والمعيشي. لم يكن ذلك بسبب غياب القضايا، بل ربما بسبب ثقلها، أو لاعتقادي أن ما يُقال لم يعد كافياً أمام حجم المعاناة. لكن ما نعيشه اليوم لم يترك لنا ترف الصمت.

ما يجري في سوريا لم يعد مجرد أزمة عابرة، ولا حتى سلسلة أزمات منفصلة، بل هو نموذج مكتمل لانهيار منظومة إدارة الحياة اليومية للمواطن. فالسوري الذي أنهكته سنوات الحرب، يجد نفسه اليوم في مواجهة استنزاف من نوع آخر: استنزاف اقتصادي ومعيشي ونفسي، لا يقل قسوة عن أي شكل آخر من أشكال المعاناة.

أزمة الغاز المنزلي ليست تفصيلاً صغيراً، بل هي مرآة فاضحة لواقع أعمق. حين يعجز المواطن عن تأمين مادة أساسية لبيته، وحين تُباع الأسطوانة – إن وُجدت – بثلاثة أضعاف سعرها الرسمي، فإننا لا نتحدث عن خلل تقني أو ظرف طارئ، بل عن فشل واضح في إدارة الموارد، وعن غياب فعلي لدور الدولة الرقابي.

الأخطر من ذلك، ليس فقط نقص التوريد، بل عودة منظومة الاحتكار والتلاعب بالسوق، وكأن السنوات الماضية لم تكن كافية لاستخلاص الدروس. إن ترك السوق للفوضى، في ظل غياب أجهزة الرقابة أو عجزها، يعني عملياً نقل عبء الأزمة بالكامل إلى المواطن، وتركه وحيداً في مواجهة شبكات المصالح.

وعند ربط هذه الأزمة بسلسلة الأزمات الأخرى – من ارتفاع أسعار الغذاء، إلى فقدان الأدوية، إلى أزمات الكهرباء والمحروقات – نجد أنفسنا أمام صورة شاملة لا يمكن توصيفها إلا بأنها حالة اختناق وطني. هذه ليست معاناة فردية أو قطاعية، بل حالة عامة تلامس كل بيت سوري، دون استثناء.

لقد علّق السوريون آمالاً كبيرة عندما سمعوا عن عودة آبار النفط والغاز إلى إدارة الدولة، باعتبار ذلك خطوة نحو تخفيف الأعباء المعيشية. إلا أن هذه الآمال سرعان ما اصطدمت بتصريحات رسمية تتحدث عن حاجة تمتد لثلاث سنوات لإعادة التفعيل. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما هي الخطة المرحلية خلال هذه السنوات؟ وكيف سيُطلب من المواطن أن يصمد في ظل هذا الفراغ؟

المشكلة اليوم لم تعد في غياب الموارد فقط، بل في غياب الشفافية. فالمواطن لا يُطالب بالمعجزات، بل بالوضوح: أين تكمن المشكلة؟ ما حجم المتاح؟ من المسؤول عن الخلل؟ وما هي الإجراءات الفعلية، لا النظرية، لمعالجة هذه الأزمات؟

إن استمرار الغموض، وغياب الخطاب الحكومي الصريح، يفتح الباب أمام الشائعات، ويُعمّق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات. وهذه الفجوة، إن اتسعت أكثر، لن تكون مجرد مشكلة إعلامية، بل تهديداً حقيقياً للاستقرار الاجتماعي.

ما نحتاجه اليوم ليس فقط حلولاً تقنية، بل إعادة تعريف لدور الدولة نفسها: هل هي جهة إدارة أزمات مؤقتة، أم مؤسسة مسؤولة عن حماية الحد الأدنى من كرامة المواطن وحقوقه المعيشية؟

إن أي مقاربة لا تضع المواطن في مركز الأولويات، ولا تعترف بحجم معاناته بشكل صريح، ستبقى قاصرة وعاجزة عن إنتاج حلول حقيقية. فالجوع لا يُدار بالتصريحات، والبرد لا يُواجه بالوعود، والاختناق المعيشي لا يُعالج بتأجيل الحلول لسنوات قادمة.

كنت أتمنى أن أختتم هذا المقال بطرح حلول واضحة، أو حتى بمقترحات قابلة للنقاش. لكن الحقيقة القاسية أنني، كغيري من ملايين السوريين، أجد نفسي عاجزاً حتى عن تأمين أبسط مقومات الحياة اليومية، من دفع فاتورة الكهرباء، إلى الحصول على أسطوانة غاز بعد أكثر من عشرة أيام من انقطاعها.

لذلك، لا أملك اليوم إلا أن أطرح هذا السؤال المفتوح: إلى متى؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني