إعادة بناء الهوية المدنية السورية: قراءة تحليلية في ضوء يوم الحوار الوطني 2025

0

الملخص التنفيذي

شهدت سوريا منذ عام 2011 تفككاً عميقاً في البنية الاجتماعية والسياسية والدستورية للدولة، نتج عنه تراجع الهوية المدنية الجامعة وصعود هويات فرعية مناطقية وعرقية وطائفية. وقد عزّزت ديناميات الحرب، وتعدد السلطات، وسياسات الفاعلين الدوليين، إنتاج مصطلحات جغرافية جديدة تُحيل إلى خارطة نفوذ عسكري لا إلى وحدة جغرافية وطنية. أسهم هذا التحول في إضعاف المجال العام وفي انكفاء المجتمع المدني نحو انتماءات محلية ضيقة.

تهدف هذه الورقة إلى تقديم مقاربة تحليلية نقدية حول أزمة الهوية المدنية السورية، وتوضيح دور المجتمع المدني في إعادة بناء الحيّز العام عبر أدوات تشاركية وطنية تتجاوز خطاب الحرب والاستقطاب. وتطرح الورقة إطاراً استراتيجياً لإعادة هيكلة التحالفات المدنية ضمن فضاء وطني موحّد، مع مجموعة من التوصيات العملية القابلة للتطبيق.

المقدمة

أنتجت الحرب السورية موجات متتابعة من التحولات البنيوية التي مسّت الهوية الوطنية في جذورها. فقد تفككت منظومات الدولة، وتوزعت الجغرافيا السورية بين قوى نفوذ متعددة، وغياب المؤسسات الضامنة للمواطنة، ما أفرز بدائل هوياتية قائمة على الولاءات المحلية أو الإثنية أو الدينية. وفي غياب إطار وطني جامع يعيد بناء السردية المشتركة، برزت تسميات مناطقية جديدة أصبحت جزءاً من الخطاب الأممي ومن لغة البرامج الإغاثية والتنموية.

تستند هذه الورقة إلى فرضية مفادها:

يمكن إعادة بناء الهوية المدنية السورية عبر إعادة تنظيم الفضاء المدني وفق معايير مهنية وطنية، وتوحيد الخطاب والمصطلحات، وتأسيس آليات تنسيق تتجاوز حدود مناطق النفوذ“.

تتمثل أهمية الورقة في أنها تحاول الربط بين أزمة الهوية وهندسة المجال العام ودور المجتمع المدني في سياق انتقالي معقّد، اعتماداً على أدبيات الهوية والمواطنة وأطر الحوكمة المدنية.

الإطار النظري والمنهجي

 .1الهوية المدنية

تشير إلى منظومة قيم تقوم على المواطنة، المشاركة، سيادة القانون، والولاء للحيّز العام المشترك، بعيداً عن الانتماءات الطائفية أو المناطقية.

UNESCO – Citizenship Education Guidelines

2. المجتمع المدني

وفق تعريف البنك الدولي: شبكة من المنظمات غير الحكومية والفاعلين غير الحكوميين الذين يسهمون في صنع السياسات والمساءلة ومراقبة السلطة.
World Bank – Civil Society Overview

.3 الهويات الفرعية

انتماءات محلية أو اجتماعية تنشأ وتتعاظم عندما تغيب الدولة الجامعة، وقد تتحول إلى بديل عن الهوية الوطنية.

UNDP – Civil Society and Peacebuilding

.4المنهجية

اعتمدت الدراسة على:

  • مراجعة الأدبيات الدولية حول الهوية المدنية والمجتمع المدني.
  • تحليل خطابات المانحين والجهات الأممية.
  • استخلاص الدلالات من جلسات يوم الحوار الوطني السوري 2025.
  • الربط مع حالات مقارنة ودروس مستفادة من تجارب انتقالية أخرى.

أولاً: أزمة الهوية المدنية السورية

1. العوامل البنيوية لصعود الهويات الجزئية

  1. انهيار مؤسسات الدولة وانسحابها من أدوارها في تقديم الخدمات وضبط المجال العام.
  2. العسكرة وتعدد القوى المسيطرة ما أدى إلى إعادة هندسة الروابط الاجتماعية.
  3. التدخلات الإقليمية والدولية واختلاف مصالح الفاعلين.
  4. تآكل الثقة بين المكونات السورية نتيجة الاستقطاب والتعبئة الطائفية.
  5. غياب سردية وطنية جديدة قادرة على إنتاج خيال جماعي مشترك.

2. الأثر الاجتماعي والسياسي

نتج عن ذلك تشكل ما يمكن وصفه بـ جزر هُوَوِيّة متباعدة؛ لكل منها وسائل إعلامها، خطابها السياسي، مؤسساتها المحلية، وأنماطها التعليمية. هذا التباعد عمّق تفتت الحقل العام وجعل إعادة بنائه مهمة مركبة تتطلب هندسة مدنية جديدة.

ثانياً: صراع الهويات وانعكاساته على المجتمع المدني

.1التمويل ومعايير الجغرافيا

تحولت برامج المانحين إلى استخدام “تقسيمات الحرب” (شمال شرق، شمال غرب، درع الفرات، غصن الزيتون…) كمعايير للعمل.
هذا الأمر دفع كثيراً من المنظمات إلى إعادة تعريف نفسها على أساس الحيّز الجغرافي لا على أساس رسالتها الوطنية.

2. مشكلة المصطلحات الجغرافية

أصبحت المصطلحات العسكرية مرجعاً حتى للجهات الأممية، مما يقدّم تصوراً لسوريا ككيانات متباعدة.

ينبغي استبدال هذه التسميات بالمصطلحات الإدارية الأصلية، انسجاماً مع مبادئ الأمم المتحدة في الحياد الجغرافي.

ثالثاً: التحول المطلوب في بنية المجتمع المدني السوري

1. إعادة هيكلة الشبكات والتحالفات

يتطلب المشهد المدني انتقالاً من “شبكات محلية” إلى “تحالفات وطنية” ذات:

  • هياكل حوكمة مستقلة،
  • معايير شفافية،
  • ميثاق مبادئ،
  • آليات تمثيل شاملة.

OECD – Civil Society and Aid Effectiveness

.2 تجاوز لغة الحرب

لتحقيق فضاء لغوي جامع، ينبغي:

  • اعتماد مصطلحات إدارية لا عسكرية.
  • تبني خطاب يعزز المواطنة لا الاستقطاب.
  • دعم البرامج الأممية لمعايير “الهوية المدنية” في أدبياتها.

رابعاً: الإطار العملياتي (خطوات قابلة للتطبيق)

.1 إعداد دليل وطني للمصطلحات

يُعدّ بالتعاون بين:

  • منظمات المجتمع المدني.
  • الجهات الأممية.
  • خبراء القانون والإدارة.
  • الباحثين الاجتماعيين.

يهدف إلى توحيد لغة العمل المدني على مستوى البلاد.

.2إنشاء منصة وطنية للتنسيق المدني

تضم ممثلين عن جميع المناطق، وفق:

  • نظام تمثيل عادل.
  • لائحة تنظيمية.
  • آلية اتخاذ قرار شفافة.
  • إطار مساءلة داخلي.

.3 مأسسة مفهوم الهوية المدنية

عبر:

  • ورش عمل.
  • منتديات.
  • مناهج تدريبية.
  • حملات توعوية وطنية.

4. مراجعة سياسات التمويل الدولية

بهدف الانتقال من التمويل القائم على الجغرافيا إلى التمويل القائم على:

  • الأولويات الوطنية.
  • الاحتياجات.
  • الفاعلية.
  • أثر التدخل.

5. إدماج الهوية المدنية في برامج بناء السلام

وفق أدبيات:  OHCHR – Civil Society Space

الخاتمة

إعادة بناء الهوية المدنية السورية ليست مهمة خطابية، بل مشروع تحولي طويل الأمد، يستند إلى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة وإحياء الحقل العام بوصفه مجالاً مشتركاً تتفاعل فيه كل المكونات دون استقطاب.

يمكن للمجتمع المدني، متى أعيد تنظيمه ضمن فضاء وطني موحد، أن يؤدي دوراً تأسيسياً في الانتقال من التشظي إلى الوحدة، ومن الانتماءات الجزئية إلى هوية مدنية سورية جامعة.

وبمقدار ما تنجح المنظمات في تجاوز لغة الحرب وإعادة بناء شبكات وطنية عابرة للجغرافيا السياسية الراهنة، بقدر ما ستصبح جزءاً من صياغة مستقبل سوريا وتوجهاتها المدنية والدستورية.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني