
إدارة الموارد من قلب الإنتاج: نحو رؤية وطنية للامركزية التنموية في سوريا
لماذا اللامركزية الآن؟
يتجدد النقاش في سوريا حول اللامركزية في سياق البحث عن نموذج إداري أكثر قدرة على مواكبة تحديات إعادة البناء. غير أن المسألة لا تتعلق بقبولها أو رفضها، بل بتحديد معناها وحدودها. فالمطروح ليس تغيير شكل الدولة، بل إعادة تنظيم العلاقة بين الجغرافيا الاقتصادية وموقع القرار التنفيذي.
اللامركزية التنموية تعني إعادة التوطين المؤسساتي لمراكز القرار التنفيذي، بحيث ينتقل جزء من الثقل الإداري والوظيفي إلى المحافظات التي تحتضن الموارد والأنشطة الإنتاجية. جوهرها هو “تقريب القرار من المورد”، أي تقليص المسافة بين من يصوغ السياسة ومن يعيش نتائجها، مع بقاء القرار السيادي والتخطيط الاستراتيجي في المركز. إنها إعادة توزيع للوظائف لا للسيادة، وتعزيز للدولة لا انتقاص منها.
عندما يبتعد القرار عن الإنتاج
اعتمدت الدولة السورية لعقود نموذجاً شديد المركزية كان مبرراً في مراحل سابقة، لكنه مع الوقت خلق فجوة بين مكان القرار ومكان الإنتاج. فالنفط في دير الزور، والقمح في الحسكة، ومشاريع الري في الرقة، والثروة الحيوانية في البادية، بينما ظل القرار التنفيذي والمالي يصدر من العاصمة.
كلما اتسعت المسافة بين القرار والمورد، ازدادت البيروقراطية، وطال زمن الاستجابة، وضعفت دقة المعالجة. فمن الطبيعي أن تُدار الهيئات المرتبطة بقطاع النفط من دير الزور، وأن تتموضع مؤسسات الموارد المائية في حوض الفرات حيث يتحدد واقع الإنتاج الفعلي. إدارة الموارد من قلب الإنتاج لا تعني نقل الدولة من العاصمة، بل توزيع وظائفها حيث توجد الحاجة والقدرة معاً.
ما الذي نتعلمه من التجارب المقارنة؟
تُظهر التجارب الدولية أن نقل بعض المؤسسات خارج العواصم يمكن أن يعزز التوازن التنموي إذا جرى ضمن إطار قانوني واضح ونظام رقابي صارم. وقد نجحت دول في تخفيف الضغط عن مراكزها الإدارية عبر إعادة توزيع الهيئات التنفيذية، لكن النجاح لم يكن جغرافياً فحسب، بل مؤسسياً أيضاً.
في المقابل، أثبتت تجارب أخرى أن النقل الشكلي للمؤسسات دون إصلاح بيئة النزاهة قد يتحول إلى توطين للفساد بدلاً من توطين للتنمية. الدرس الأساس هو أن اللامركزية ليست خطوة مكانية فقط، بل إصلاح إداري متكامل.
أما في سوريا، فإن سنوات الحرب خلّفت تفاوتاً في البنية التحتية، وضعفاً في الكوادر، وهشاشة في بعض المناطق. لذلك فإن أي مسار نحو اللامركزية التنموية يجب أن يكون تدريجياً، ومدعوماً بتأهيل إداري وأمني متزامن.
اللامركزية كتعزيز لوحدة الدولة
قد يُساء فهم اللامركزية على أنها تقليص لدور المركز، غير أن جوهرها هنا مختلف. فحين تصبح المحافظات شريكاً في إدارة مواردها ضمن إطار وطني موحد، يزداد حضور الدولة ولا يتراجع. وحين يقترب القرار من المواطن، تتعزز الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
إعادة توزيع المؤسسات ليست مطلباً مناطقياً، بل خطوة نحو توازن وطني أوسع. كما أن مقاومة بعض دوائر البيروقراطية التقليدية لأي إعادة توزيع للصلاحيات تمثل تحدياً ينبغي التعامل معه بحكمة، لا سبباً لتعطيل الإصلاح.
كيف يمكن تنفيذها تدريجياً؟
يمكن أن يبدأ المسار بتوسيع صلاحيات الفروع في المحافظات، وتحديث البنية الرقمية للإدارة العامة، ومراجعة الإطار القانوني المنظم للعلاقة بين المركز والمحافظات. ثم يُعاد تموضع بعض الهيئات المرتبطة مباشرة بالقطاعات الإنتاجية في مناطق مواردها، بالتوازي مع الاستثمار في تدريب الكوادر وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة.
إعادة التموضع المؤسسي لا تحسن الإدارة فحسب، بل تحفز الاقتصادات المحلية وتخلق أقطاب نمو تخفف الضغط الديموغرافي والوظيفي عن العاصمة. وعلى المدى الأبعد، يمكن بناء شبكة إدارية–اقتصادية مترابطة رقمياً تضمن وحدة القرار وسرعة التنفيذ، مع تقييم دوري لقياس الأثر التنموي وضمان التوازن بين المحافظات.
دولة متوازنة لا دولة متضخمة
سوريا التي نطمح إليها ليست مركزاً قوياً وأطرافاً ضعيفة، بل دولة متوازنة تتوزع فيها المسؤولية كما تتوزع الموارد. اللامركزية التنموية ليست شعاراً سياسياً، بل وسيلة لجعل الدولة أقرب إلى إنتاجها ومجتمعها، وأكثر قدرة على خدمة مواطنيها.
في مرحلة إعادة البناء، يصبح السؤال ليس أين تتركز المؤسسات، بل كيف تعمل بكفاءة حيث توجد الحياة والإنتاج. هنا فقط تتحول اللامركزية من فكرة مطروحة إلى خيار وطني عملي يعزز العدالة والتوازن والاستقرار.