أخطر الأمراض السياسية

0

نعم.. المرض هو الاعتلال أو الخلل الذي يعيق أو يحرف مسار ومخطط آلية عمل تشكيلة مادية أو معنوية منتظمة لغاية أداء مهمة أو إحراز هدف.

وبسبب انتشار نظريات أطباء السياسة، ساد الاعتقاد لدينا طويلاً بأن أخطر الأمراض السياسية وأكثرها تأثيراً وصعوبة في العلاج هو مرض التصاق الحاكم بالسلطة وكرسيّها وأن أصعب وأعقد العمليات الجراحية هي عملية فصل الحاكم عن الكرسي وقد ظلت هذه العمليات تُعتبر مغامرة خطيرة وباهظة الثمن وتتطلب وقتاً طويلاً مع نسب نجاح ضئيلة، ولكن بعد الجرأة والشجاعة والقيام بتنفيذ هذه العمليات والنجاح فيها فقد اكتشف أطباء وعلماء وحكماء السياسة ومعهم الفلاسفة وعلماء الاجتماع، لقد اكتشفوا أن مرض (الْتصاق الحاكم بالكرسيّ) ليس صحيحاً أنه أخطر الأمراض السياسية إنما هو مجرّد عَرَض أو نتيجة لأمراض أخرى هي حقيقةً الأكثر خطورة، وهذه الأمراض والعلل أصبح الأطباء يعتقدون أنها عاهات مستدامة بل هي متلازمات لم يتم اكتشاف علاجها بعد، وهي أمراض وبائية معدية وتتميز بأنها منتشرة بعكس مرض الالتصاق بالكرسي فهو محصور بأشخاص بعينهم.

وهذه العاهات مثل أمراض التطبيل والتزمير والتصفيق وخاصة عندما يصبح التطبيل قسرياً والتزمير نشازاً والتصفيق هستيريّاً حتى تظهر حالات التصاق الطبل بالمطبّل مثلاً وهناك حالات الأقلام الزّاربة أي التي تزرب العبارات الهلامية ومثلها المدوَّنات الضاربة على غرار الفيديو كليبات المدويّة.

إن هذه الأمراض تعيق القيام بالوظائف الحيوية الضرورية لدعم جسم الدولة للقيام والاستمرار لأنها تسبب اضطراباً في مراقبة الأعداء يتبعها قصور في الممانعة كما تتسبب بتعطيل الحواس الرئيسة كحاسّة البصر لرؤية الطريق واستشراف الأفق وحاسّة السّمع لمعرفة ما يدور في المحيط وتسبب استعصاءً عصبيّاً يمنع إيصال التنبيهات.

وسوف يعترضنا السؤال: هل هذه الأمراض حديثة ومستجدة؟ لا بل هي قديمة وتكاد تكون بقدم السياسة، وربما أخذت بزمن معين اسم عمى البصيرة.

وإن من أفظع أعراض ونتائج هذه العاهات أنها هي التي توجد وتكرس الديكتاتور بل هي التي تغذيه وتحميه ومن حجم غلوّها وتزمّتها فإنها تضرُّ بالدكتاتور ذاته وتهلكه لأنها تسبب له داء العظمة وعلة الالتصاق بالكرسيّ، وهنا تأتي الكارثة لأنه معلوم لدى الجميع ماذا يعني ذلك ومن الذي سيتضرر حقاً ويدفع الثمن الحقيقي والماديّ والمعنويّ والزمانيّ والمكانيّ.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني