
وانتصر خيار الدولة
بعد عقود من حكم نظام الأسد كان يُخيّل للجميع أنّ التغيير سيكون كارثياً على كل الأصعدة، فالنظام البائد عمل على ذلك قولاً وفعلاً، بحيث أوهم الجميع أنه أفضل الخيارات السيئة، وأنه الشيطان الذي نعرفه، وأنّ المجهول يُنذر بأنهار من الدماء ليس في سوريا فحسب بل في الإقليم كله، نظراً للتداخل الديني والطائفي والإثني بين شعوب ومكونات المنطقة، بحيث يكون الشرر المتطاير من الجحيم السوري كفيلاً بإشعال المنطقة كلها…
لذلك، سوريا ما بعد إسقاط الأسد، ومع كل التداعيات التي تحدث، هي أفضل بكثير من أحسن سيناريو كان متوقعاً لسوريا نفسها وللإقليم عموماً…
ولأنّ استقرار سوريا أو تعافيها دونه قوتان إقليميتان (إسرائيل وإيران) لا يُستهان بهما، ولهما من الأدوات والطموح الكثير لتخريب التغيير السوري أو حرف مساره ليتلاقى مع مراميهما.
اختلفت إيران وإسرائيل على كل شيء وتصادمتا عسكرياً، ولم تتفقا إلا على شيء واحد، وهو بقاء نظام الأسد في حكم سوريا، وتخادمتا على ذلك، ولم تكونا مخطئتين بالتأكيد، لأنّ الأسد حرص على تقديم الخدمات المطلوبة منه للعدوين، وتمتع بدعمهما، لأنّ كل واحد يرى أنه كاسب منه ومقتنع بحصته، ولا يريد الدخول في مغامرات التغيير…
لم تتأخر إيران وإسرائيل في تحريك أدواتهما في الساحل والجنوب، سواء بشكل مباشر أو بتكليف تنظيم قسد أداء هذا الدور بالوكالة عنهما، وتم إيهام ذلك التنظيم أنّ خلق العراقيل في وجه العهد الجديد وإفشال مسار التغيير، وبالأخص التركيز على فشل العهد الجديد في إدارة التنوع الهوياتي السوري ووصمه بأسوأ التوصيفات، وبالتالي تقديم تنظيم قسد كبديل لإدارة التغيير السوري، باعتباره يملك سجلاً في محاربة الإرهاب ورصيداً جيداً من الدعم الدولي وإمكانات ذاتية مادية وصورة بروبوغاندا (زائفة) عن علمانيته ومدنيته وديمقراطيته وإعطاء حقوق للمرأة، وبالتالي قيادة تحالف أقليات مع جزء من علمانيي الأغلبية العربية السنية والجمهور المتضرر من إسقاط الأسد…
وكان الطموح البديل (في حال فشل الخيار الأول) هو أن يتم تقديم تنظيم قسد كندّ للحكومة السورية وشريك لها يعمل على تفكيك الدولة من الداخل (ومن داخلها) للوصول إلى إنهاء التجربة تماماً.
سار العهد الجديد بعكس ما يشتهيه الأعداء في الداخل والخارج، وكان على قدر المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه، وبدد كل الأوهام عن فشله من داخله نظراً للمرجعية الإسلامية التي ينتمي إليها، وكان ديدن بناء الدولة الوطنية هاجسه الأول، متخلياً عن كل ما كان يُراد له من الوقوع في مطبات تجاوز المشروع الوطني إلى مشروع إسلامي عابر للحدود ومتصادم مع الإقليم والعالم.
استطاع العهد الجديد الاستحواذ على ثقة دول الجوار الهامة بنهجه الحالي والمستقبلي، وتم تجيير ذلك الدعم لنيل الثقة والشرعية من الخارج، وتم في سرعة رهيبة تجاوز كل العقبات والعقوبات، وانخرطت سوريا في المجتمع الدولي وتموضعت في النظام الدولي الذي يقود العالم.
تمكن خيار دولة المواطنة وتوحيد البلاد والعباد الذي انتهجته القيادة بدعم شعبي كبير من النجاح، فتم وأد تمرد الفلول في الساحل بأقل الخسائر والأضرار، وتم بسط سيطرة الدولة على كل متر مربع في المنطقة، وتم تحرير بعض السكان من وهم إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وتشجيعهم على الانخراط في مشروع الدولة التي تشكل الضمانة للجميع.
تم تحاشي خطر الانزلاق في مكائد وأفخاخ إسرائيل في الجنوب، ولم يحقق الكيان الأزرق وأدواته ما كانوا يرمون إليه، وأحرقت تلك الأدوات نفسها بنفسها عندما أعلنت أهدافها وارتباطاتها، فكان الموت المعنوي أو السريري هو الحال الذي وصلت إليه بانتظار تآكل مشروعها ذاتياً وانفضاض المغرر بهم عنه…
وسيدخل الجنوب في مشروع الدولة قريباً.
رأس الأفعى التي كانت في الشمال الشرقي وتنفث سمومها في سوريا بل والإقليم، والتي كان يُعوّل عليها أو يُستظل بها كل أعداء مشروع الدولة، أثبتت أنها ظاهرة إعلامية لم تتمكن من بناء قوى حقيقية على الأرض، لا شعبية ولا عسكرية، ولم تتمكن من بناء أي نموذج منافس للدولة يجعل من البعض يدافع عنه، وتبخرت تلك القوة وماتت الأفعى من أول ضربة على رأسها.
أصبح خيار الدولة والعبور من إرهاصات أو أخطار المرحلة الانتقالية وتضميد الجراح القديمة والحديثة هو المطلوب من القيادة السياسية والشعب السوري، والتركيز على التنوع كمصدر قوة وليس مكامن ضعف، والاعتراف بكل خصوصيات الهويات الفرعية اللغوية والثقافية كحقوق وليس كامتيازات، واعتبارها روافد تصب في مجرى النهر الكبير، وهو الهوية الوطنية الجامعة لكل السوريين، مع إعطاء الحقوق السياسية لكل السوريين كمواطنين، لا فرق بين واحد وآخر إلا بقدر إخلاصه لوطنه وشعبه ودولته.