في تغريدة له على منصته المفضلة تروث سوشيال يقول الرئيس ترامب:
نُدمّر النظام الإرهابي في إيران تدميراً كاملاً عسكرياً واقتصادياً وبشتى الوسائل الأخرى، ومع ذلك إذا قرأت صحيفة نيويورك تايمز الفاشلة فستظن خطأ أننا لا نُحقّق النصر، لقد انتهت البحرية الإيرانية ولم تَعُد قواتهم الجوية موجودة، ونُدمّر صواريخهم وطائراتهم المسيرة وكل ما يملكونه تدميراً شاملاً، كما مُحِيَ قادتهم من على وجه الأرض.
نحن نمتلك قوة نارية لا مثيل لها وذخيرة غير محدودة ولدينا مُتسع كبير من الوقت، شاهدوا ما سيحدث لهؤلاء الأوغاد المختلين اليوم، لقد ظلوا يقتلون الأبرياء في أنحاء العالم طوال 47 عاماً، والآن أقوم أنا بصفتي الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية بقتلهم، يا له من شرف عظيم أن أفعل ذلك…
يبدو أنّ الرئيس ترامب نسي في تغريدته أن يذكر أنه قطع رأس الدولة بقتله للمرشد الذي شغل منصبه ل37 عاماً متواصلة وكان قبل ذلك رئيساً للجمهورية، ويمكننا القول إنّ سردية النصر عند الرئيس ترامب قد اكتملت ولم يعد أيّ جدوى من الاستمرار بها، بل إنّ متابعة خوضها بعد تحقيقه لتلك الإنجازات يُعتبر ضرباً من الجنون.
يبدو أنّ الرئيس الأمريكي دخل الحرب ثم بدأ يبحث عن أسباب وأهداف لدخولها، بعكس رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يعرف مسبقاً الأسباب والأهداف لدخولها ولكنه لا يعرف كيف سيخرج منها، لقد استطاع الداهية نتنياهو توريط أمريكا بحربه وهي المرة الأولى التي تدخل الولايات المتحدة الحرب من بدايتها إلى جانب إسرائيل….
كانت النسخة الفنزويلية مغرية تماماً للرئيس المغرور المهووس بالانتصارات السريعة والمثيرة، ولم يكن الانتصار الأمريكي على مادورو ونظامه إلا فيلماً هوليودياً مشوقاً ويجني الكثير من الأرباح ويغري بتكراره ليكون الرئيس الأمريكي الأبيض رجل الكوبوي الأول في العالم.
أساء الرئيس الأمريكي ومساعدوه والأجهزة المسؤولة عن تقديم الخيارات له التقديرات عن الحالة الإيرانية، واعتقدوا أنّ إيران هي فنزويلا أو أقوى قليلاً، واعتقدوا أنّ تمكنهم من قتل المرشد ونخبة القيادة ستلقى التهليل والترحيب من الشعب الإيراني وسيعتبرون ترامب بطلهم وينطلقون خلفه للانقضاض على جسد بلا رأس ويعينون رئيساً لإيران يكون مثل نائبة الرئيس الفنزويلي تُقدّم فروض الطاعة أو الخضوع لأمريكا ويسلمهم مفاتيح الطاقة الإيرانية، وتصبح إيران ساسانية وتعود لحقبة الشاه البهلوي السابق لتتحالف مع إسرائيل وتكون شرطي المنطقة، أيضاً سيكون لإيران الساسانية دوراً مهماً في تعزيز الرؤية الإستراتيجية الأمريكية للمنطقة في كونها قاعدة خلفية للصراع مع التنين الصيني، وبالتالي سيتم قطع الأصابع الصينية والروسية في الخليج العربي والتي تحاول التشبّث بحليف فيه..
كانت الأهداف الأمريكية وهي شبه معلنة هي السيطرة على النفط والغاز الإيراني ولن يتحقق ذلك إلا بهزيمة نظام الملالي، حيث بتلك الهزيمة ستتلاشى المطالب الأمريكية المعلنة في المفاوضات وهي إنهاء البرامج النووية والصاروخية والإقليمية، وبعد استنزاف بنك الأهداف الحقيقي الذي وضعه الجيشان الأمريكي والإسرائيلي واستعمال أقصى ما يملكانه من قوة نارية، وبعد قتل المرشد لم تظهر أيّ بوادر تدل على حدوث تشققات في بنية النظام الإيراني وكانت القيادة تبدي درجة من التلاحم أكثر مما كان قبل الحرب، ولتأكيد فشل العمليات العسكرية على إيران تم انتخاب مرشد جديد رفضه ترامب قبل أن يتم انتخابه وهو يمثل أقصى اليمين المتشدد الإيراني، وهو تحدٍّ واضح للإدارة الأمريكية وإيذان بنهج السياسة الإيرانية المقبلة…
تعلم إيران أنها ستخسر الحرب عسكرياً انطلاقاً من موازين القوى المعروفة وما يملكه أعداؤها من أسلحة فتّاكة، لكنها قررت لعب أوراقها الأخرى وأهمها ورقتها النووية وهي مضيق هرمز حيث استفادت من الجغرافيا ووظّفتها لصالحها وأغلقت أحد أهم الشرايين المائية الدولية وبالتالي تحكمت في أسعار الطاقة حيث لا يمكن لفترة طويلة تعويض فقدان 20 مليون برميل من النفط يومياً تمر من المضيق ناهيك عن الغاز والأسمدة وأهميتهما.
وتعلم إيران أنّ الرئيس الأمريكي ذهب للحرب بشكل مفاجئ ولم يأخذ الدخول بها فرصته في النقاش داخل المؤسسات الأمريكية وأهمها الكونغرس، ولم تُطرح للنقاش في المجال العام وذلك لأنها حرب اختيارية وليست اضطرارية، وهذا من الأسباب الضاغطة على ترامب أيضاً إضافةً لغلاء الأسعار الذي طال الداخل الأمريكي والتذمّر الواضح من ذلك خاصةً أن الرئيس وحزبه مُقدِمان على خطوة التجديد النصفي لانتخابات الكونغرس في تشرين الثاني القادم وما بقي لهذا الاستحقاق وقت قصير، كما أن الرئيس ينظر إلى أسواق المال والبورصات في الولايات المتحدة وخسائرها وهي ستضغط عليه لإيقاف تلك الحرب.
يمكن القول الآن إنّ لا سبب وجيهاً لاستمرار الحرب طالما أنّ الرئيس ترامب معروف عنه براغماتيته وابتعاده عن الخسائر إذا لم يكن ممكناً تحقيق الأرباح وبالتالي لن يتأخر إعلانه لإيقاف تلك الحرب.