هل يمكن أن يُكتب مصير الإنسان مرتين في سجل الضحايا؟

0

شبح سجن الحسكة: حين ينجو الضحية من “التنظيم” ليختفي في “سجلات الإنكار”

في شمال شرق سوريا، لا تزال آلاف العائلات تعيش مأساة مركّبة عنوانها الاختفاء القسري؛ وهي جريمة موصوفة في القانون الدولي بأنها لا تسقط بالتقادم، وتُصنَّف ضمن الجرائم ضد الإنسانية حين تُمارَس على نطاق واسع أو بشكل منهجي. غير أنّ خصوصية هذه الحالة تكمن في أنّ بعض الضحايا لم يُختفوا مرة واحدة، بل فُرض عليهم الغياب مرتين، في دورة متواصلة من الإنكار والتجاهل.

خلال سنوات سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، تعرّض آلاف المدنيين لعمليات اعتقال وخطف ممنهجة. ورغم وحشية تلك المرحلة، امتلكت بعض العائلات خيطاً هشّاً من الأمل، مستندة إلى معلومات جزئية عن أماكن الاحتجاز في الرقة أو دير الزور. لكن هذا الأمل تلاشى مع التحولات العسكرية بين عامي 2017 و2019، حين انتقلت السيطرة على تلك المناطق ومرافق الاحتجاز إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

لم تتحول هذه السيطرة إلى مسار لكشف الحقيقة أو تحرير المحتجزين، بل في كثير من الحالات إلى انقطاع كامل للأثر. فعلى الرغم من المطالبات المتكررة التي تقدمت بها عائلات المختفين، مدعومة بنداءات ناشطين مدنيين، إلى الإدارة الذاتية ممثَّلة بقوات سوريا الديمقراطية، للكشف عن مصير أبنائهم، جاءت الإجابة الرسمية في معظم الأحيان مقتصرة على عبارة واحدة:

“لم يُعثر على أي معتقلين في سجون التنظيم”.

غير أن هذا الرد، بدلاً من أن يبدد الشكوك، عمّقها. إذ جرى، في الوقت ذاته، احتجاز أشخاص كانوا معتقلين سابقاً لدى التنظيم دون إجراءات قضائية واضحة، ودون إبلاغ ذويهم بمصيرهم. وتختزل قصة أحد قادة كتائب الجيش الحر السابقين في دير الزور هذا الكابوس بأقسى صوره؛ فقد اختطفه تنظيم الدولة في بدايات سيطرته على المحافظة، وانقطعت أخباره لسنوات حتى ظنت عائلته أنه قُتل. لكن المفاجأة جاءت خلال أحداث سجن الصناعة (غويران) في الحسكة، حين شوهد الرجل ضمن جموع الفارين من السجن حيّاً، بعد أن أُلقي القبض عليه مجدداً أو أعيد اعتقاله. واليوم، وبدلاً من عودته إلى أسرته أو تقديمه لمحاكمة علنية عادلة، عاد ليختفي مرة أخرى، في دائرة اختفاء ثانية، هذه المرة تحت سلطة مختلفة، لكن بالنتيجة ذاتها: الغياب خارج القانون.

وفق الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، فإن إنكار الاحتجاز أو الامتناع عن الكشف عن مصير المحتجزين يضع الضحية خارج حماية القانون، ويحمّل الجهة المسيطرة فعلياً مسؤولية قانونية كاملة، بغضّ النظر عن الجهة التي احتجزته سابقاً. كما تؤكد تقارير حقوقية حديثة، من بينها تقرير منظمة العفو الدولية Aftermath (2024)، وجود نمط مقلق من الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة وغياب الشفافية في مرافق احتجاز شمال شرق سوريا.

ومع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024، لم يعد الصمت خياراً مقبولاً. فالعدالة الانتقالية لا يمكن أن تُبنى دون معالجة ملف المختفين قسرياً بوصفه أولوية وطنية. فالعائلات لا تطلب تعاطفاً ولا صدقات، بل تطالب بحقها القانوني والأخلاقي في معرفة الحقيقة: أين هم أبناؤهم؟ وما مصيرهم؟

خاتمة

إن إنصاف من كُتب عليهم الغياب مرتين يبدأ بكلمة واحدة: الحقيقة.

فمن دون كشف المصير، ستبقى العدالة منقوصة، وسيظل الصمت محلياً ودولياً شريكاً في استمرار الجريمة.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني