
هل يلتزم الـ (PKK) بتنفيذ التفاهمات الأخيرة؟
منذ اتفاق 10 آذار الماضي، لم ينفذ تنظيم “قسد” أي بند منه أو من الاتفاقات التي تلته. فلماذا يعتقد كثيرون أن ما بقي من التنظيم سينفذ التفاهم الأخير؟
كل ما حصل منذ عملية “إحياء حلب” العسكرية هو إرغام التنظيم بعد كل عمل عسكري على التراجع وصوغ تفاهم آخر، وبعد ذلك لا يلتزم التنظيم ولا ببند واحد مما يتعهد به، فتضطر الحكومة لعمل عسكري آخر يتم هزيمة التنظيم به بسهولة، ويتم العودة لتفاهم جديد. مع أن الحكومة السورية لا تطلب إبادة التنظيم أو إذلاله بهزائمه العسكرية المتلاحقة وبانكشاف زيف تمثيله للسكان في المنطقة، بل تعرض الحكومة مخرجاً مشرفاً وهو الدمج وليس الاستبعاد. وذلك حرصاً من الحكومة على ألا تقع في مطبّ يجرّه لها التنظيم، وهو تحويل الصراع بين دولة وتنظيم متمرد إلى حرب بين العرب والكرد، سوف تؤدي إلى مظلومية كردية جديدة يعتاش عليها الحزب الإرهابي لسنوات قادمة. وهي تُبرّر فشله في استثمار فرصة تاريخية سنحت له للتحكم بمنطقة هامة من سوريا، حيث سيطر على موارد هامة ولم يتمكن من بناء نموذج سوري يُرضي سكان المنطقة ويشكل بديلاً موضوعياً سواء لنظام الأسد البائد أو للعهد الجديد، والذي حاول التنظيم إفشاله بكل الوسائل.
ولو نجح معه هذا النموذج لبرّر للجميع بأنه لم يشارك بالثورة السورية وتخاذل مع نظام الأسد وحارب الثورة السورية بذريعة بناء نموذج يُحتذى لكل السوريين.
لم يتمكن تنظيم “قسد” من بناء حاضنة له (حتى في أوساط الكرد أنفسهم) بسبب بنيته التنظيمية والفكرية، ولم يخرج من عقلية سلطة أمر واقع تتبنى أهدافاً وهمية لا يمكن تحقيقها، واعتمد على القوة العسكرية والقمع في احتلاله للمناطق مستنداً على دعم دولي واسع ظنّ أنه سيدوم للأبد.
سحب عوامل القوة من التنظيم المتمرد
فيما ذهب التنظيم لإفشال مسيرة العهد الجديد وإطالة أمد التفاوض عبر دعم حقيقي للقوى الانفصالية السورية والتي تضرّرت من سقوط نظام الأسد، مع جيش إلكتروني ضخم لتأليب الرأي العام الداخلي والخارجي على الدولة، لكن الحكومة السورية ذهبت لتجميع أوراق القوة الحقيقية في أيديها على المستوى الداخلي والخارجي.
أدركت الحكومة السورية أن المصدر الرئيسي لقوة تنظيم “قسد” هو الغطاء الأمريكي لها، فعملت بأناة وصبر وبدعم من الأشقاء والأصدقاء على نزع هذا الغطاء الصلب عنها، وبالتالي أفقدت “قسد” أهم الأوراق التي تملكها. ليس ذلك فحسب، بل قدمت الحكومة نفسها كبديل موضوعي قوي يقوم بأداء أكفأ من “قسد” بالحرب على تنظيم “داعش” الإرهابي وبتكاليف مادية ومعنوية أقل.
لم تكن “قسد” تنظيماً عسكرياً محلياً فقط، بل حاولت أن تلعب دوراً وتؤدي مهام إقليم شمال العراق، بمعنى أن تتعامل معه الولايات المتحدة كنقطة ارتكاز إستراتيجية لنفوذها في المنطقة وليس كقوة وظيفية تؤدي أدواراً ستنتهي يوماً ما. بالمقابل، قامت الحكومة السورية الجديدة بإجهاض هذا المسعى لتكون الدولة السورية (وليس ميليشيا) هي حليف محتمل للولايات المتحدة.
من أوراق “قسد” الرئيسية كانت الحرب على تنظيم “داعش” وحماية السجون، وأقنعت الحكومة السورية الولايات المتحدة بأنها كفؤ لأداء هذه المهمة، بل ومكافحة التنظيم وليس محاربته فقط عبر تجفيف منابعه الفكرية وقواعده المجتمعية، حيث أهل مكة أدرى بشعابها. وكان واضحاً للإدارة الأمريكية أن تنظيم “قسد” يعمل على استدامة وجود تنظيم “داعش” لأن وجوده مرتبط بوجودها.
ورقة الحقوق الكردية والنضال لأجلها تم سحبها أيضاً، حيث بصدور المرسوم 13 من رئيس الجمهورية ثبت سورية الكرد وعمّق كرديتهم، وأعطاهم حقوقاً كانت محجوبة عنهم ولم يعطهم أي امتياز عن بقية المواطنين السوريين. ورسم الطريق واضحاً أن انخراط الكرد في بناء الدولة والعملية السياسية هو الطريق الأصوب للعيش الكريم في دولة المواطنة، والتي تعتبر أن الحقوق الثقافية واللغوية والخصوصيات المجتمعية محفوظة للجميع.
لم يبقَ عملياً شيء اسمه “قسد”، بل ذاب الثلج وبان المرج وسقطت أوراق التوت التي تستر العورات لفترة قصيرة، وظهر أن الـ (PKK) السوري هو النواة الصلبة والتي وقعت التفاهم الأخير بل تم فرضه عليها.
لا مصلحة لهذا التنظيم الإرهابي بحقن الدماء وإتمام سيطرة الدولة السورية على الأرض والمؤسسات وتحرير السكان من هيمنة هذا الحزب وميليشياته، والبوادر الأولى لتنفيذ التفاهمات بدت متعثرة. وسيعمل التنظيم خلال المدة الممنوحة لتنفيذ التفاهمات على إفشالها، لأن أهم بنود التفاهم الأخير إخراج المقاتلين غير السوريين خارج البلاد، وتسليم الأسلحة المتوسطة والثقيلة، وتسليم الأصول السيادية كالمعابر والمطارات وما بقي من آبار النفط.
ستلتزم الحكومة السورية ببنود الاتفاق وتلتزم بتعهداتها الداخلية والخارجية، وستقيم الحجة الدامغة على التنظيم الإرهابي، ولن يتمكن أي تيار سوري كردي من الوقوف بوجه الـ (PKK) وثنيه عن خططه. وكما عودنا التنظيم سابقاً، فهو لا يفهم إلا لغة القوة.