
ما الذي يشدني إلى تلك الجديلة؟
لست أدري ما يجذبني إليها، ويغريني بها! لونها الكستنائي أم نعومتها؟! فما زلت شغوفاً بها مذ رأيتها أول مرة مكورة صفوفاً مثل كعكة في مؤخرة رأسها، أو مفرودة تتدلّى وتتراقص على ظهرها، وتتنقّل عصفورة على ردفيها. ورغم تكرار السنين فإني مغرم بمشاهدتها وهي تفردها شلالاً على كتفيها ينساب على جذعها وصدرها، ويدغدغ رمّان نهديها، وتبرق عيناها نوراً يشعّ فيوقظ نبض القلب، وتشتعل الجوارح…
عند مكتب التسجيل في الجامعة أقبلت فتضوّعت الدنيا…، ابتسمت متسائلة: هنا نسجّل على المفاضلة؟ أجبتها: نعم، ووقفت خلفي في طابور الانتظار.. فكّرت.. مما خُلقت…؟ وكيف…؟ وصلنا النافذة.. أشرت لها أن تتقدّم فاعتذرت. سلّمتُ الموظّف أوراقي وتمهّلتُ في الانصراف.. أنهتْ… وأومأت بيدها وغادرت والبصر يلاحقها حتى غابت في غابة المارة وأنا أمنّي النفس أن نكون في اختصاص واحد…
جلس الطلبة في مدرّج الكلية وقبل أن يدخل الدكتور أشرق وجهها .. بحثت عن مكان.. أفسحت لها.. ومع ابتسامتها وكلمة شكراً زغردت الروح، وأثناء الخروج بعد المحاضرة قلت: محسوبك عيسى، وزميلتك نعمة. وتوالت الأيام، وتكرّرت المصادفات، وازدادت اللقاءات، وكُتمت الأمنيات في الصدور. وذات رحلة ربيعية جلسنا على العشب المندّى والنسمات تنعش الفؤاد شردتُ ساهياً وأنا أحدّق في وجهها… همست: ما بالك؟
– لا شيء
– قل.. لا تخجل…
– دعكِ من هذا الآن
– تشجّع.. أريد أن أسمعها…
– ماذا…؟
– تلك التي تحبسها على لسانك
– هنالك جدار جبال… ياصديقتي
– أتقصد اختلافنا…؟
– نعم
افترّت شفتاها عن نضيد ناصع. لأكن صريحة.. أسرتي محافظة وأنا كوكتيل: أبي سُني، وأمي شيعية، وجدتي أرمينية. انشرح صدري… والدي بروتستانتي، ووالدتي كاثوليكية، وجدتي موسوية، وها نحن على ضفتين متقابلتين… فكيف نلتقي؟ !
بسطت راحتها فصفعتها، وتعالتْ صفقة هزّت الهدوء، وخلخلت أركان السكون، وتناطحت جبهتانا، وتصاعدت ضحكتنا مجلجلة…، وحلّق الخيال…، أمسكت يدها ونهضنا، وسرنا صامتين وخصل شعرها يداعبها النسيم فتتطاير وتدغدغ أنفي، وتحت أقدامنا تتلوى النباتات الغضة، وتعتلج في الحنايا همسات مبهمة تفتش في ثنايا المستقبل عن شعاع أمل…، التفتت.. تلاقت الأحداق.. ضغطتُ على أناملها فسرى في أصابعي دفق حرارتها…
– أجاهزة للتحدي…؟
– أجل
قرّرنا أن نخوض التجربة معاً…،
وبعد التخرّج… ولجنا متكاتفين لجّة نهر الحياة…