نحو فهم مغاير للعلمانية: رؤية عزمي بشارة في بناء الدولة الحديثة

0 24

في ثلاثيته الضخمة “الدين والعلمانية”، يرى الدكتور عزمي بشارة أن العلمنة هي صيرورة تاريخية وليست أيديولوجيا، ما يحيل إلى ضرورة فهمها على قاعدة التمايز الاجتماعي والبنيوي وتغيّر أنماط الوعي، في وقت لا يرى فيه أن العلمانية تختزل بشعار “فصل الدين عن الدولة”. فكيف يستطيع هذا الفهم والتمييز بين العلمنة والعلمانية أن يصحح مسار بناء الدولة الحديثة وفق رؤية الدكتور عزمي؟

جوهر المشروع الفكري: التمييز بين العلمنة والعلمانية

في مؤلفه “الدين والعلمانية في سياق تاريخي” (2013-2015)، يقدم بشارة نظرية العلمنة كـ “صيرورة تمايز” بين المجالات (السياسة والدين)، مؤكداً أن العلمانية ليست موقفاً ضد الدين، بل موقفاً من الدولة، يقوم على ضرورة حيادها تجاه الأديان في إطار ديمقراطي مدني. وهو يفرّق بينها كـ “نموذج فكري” وبين “العلمنة” كـ “عملية تاريخية”، ويؤكد أنها تتأثر بأنماط التدين ولا تصلح كقالب واحد لكل المجتمعات. ويتتبع نشأتها في السياق الأوروبي وصولاً لتجلياتها الأمريكية، ويُخصص فصلاً محورياً لفهم الدولة كشرط لفهم العلمانية بشكل جديد.

إعادة تعريف العلمانية: موقف من الدولة لا موقف من الدين

يرى عزمي بشارة أن فهم العلمانية في مجتمعاتنا العربية يتطلب تجاوز النظرة إليها كمجرد “عداء للدين”، ليقدمها كإطار أكثر عمقاً ومرونة، وتتجلى أهميتها في سياق المجتمعات المتدينة في النقاط التالية:

ليست إلحاداً: العلمانية ليست نظرية علمية أو فلسفية تهدف إلى نفي الدين، بل هي موقف من الدولة، يقوم على حيادها تجاه الأديان في إطار ديمقراطي مدني.

صيرورة تمايز: يعرفها كعملية تاريخية مستمرة من “التمايز” بين المجالات (كالفصل بين المقدس والدنيوي، والدين والدولة، والعلم والأسطورة)، ما يسمح لكل مجال بالاستقلال بقواعده الذاتية.

علمنة الدولة لا علمنة المجتمع

يفرق بشارة بشكل حاسم بين علمنة الدولة (أي حياد مؤسساتها) وعلمنة المجتمع (أي تغيير معتقدات الناس). فهو يرى أن المجتمع يمكن أن يظل متديناً دون أن يناقض ذلك وجود دولة علمانية محايدة؛ فالفكرة ليست فرض اللادينية، بل تنظيم الحكم بما يحفظ حرية الجميع. هذا الفصل الجوهري يزيل الكثير من سوء الفهم الذي يحيط بمفهوم العلمانية في السياق العربي، ويؤسس لتصور مختلف يقوم على التعايش بين التدين المجتمعي وحيادية الدولة.

الدولة كضامن للتنوع والتعايش

في مجتمعات متعددة الأديان والمذاهب، تكمن أهمية الدولة العلمانية في كونها “حيادية” تجاه الأديان، لتكون ضامناً للتعايش بين مختلف الطوائف والمجموعات، بدلاً من أن تتحول إلى سلاح بيد جماعة ضد أخرى. ما يجعلها أداة لحماية التنوع الديني والمذهبي، لا تهديداً له، وله أهمية خاصة في المجتمعات العربية التي تعاني من توترات طائفية عميقة.

جدلية العلمنة والتدين: تأثير متبادل

يرى بشارة أن أنماط التدين في أي مجتمع تتحدد إلى حد كبير بأنماط العلمنة التي تعرّض لها، والعكس صحيح، فهي ليست ظاهرتين منفصلتين بل في حالة تفاعل مستمر. وهذا يعني أن الحديث عن العلمانية في سياق عربي متدين ليس فرضاً لنموذج غربي، بل هو صيرورة تمايز حتمية تمر بها كل المجتمعات. فالعلمنة والتدين في علاقة جدلية، يتأثر كل منهما بالآخر، ويتشكلان في سياقات تاريخية واجتماعية خاصة.

نقد النموذج الغربي وتجاوزه

ينتقد بشارة استيراد النموذج الغربي للعلمانية كحل جاهز، مؤكداً أن لها سياقات تاريخية خاصة في أوروبا (كالصراع مع الكنيسة). لكنه لا يدعو لرفضها، بل يدعو إلى “نقل” مبدأ حياد الدولة وتطويعه للسياق العربي، لأن المجتمعات العربية بحاجة ماسة لفصل السلطة السياسية عن الديني لإنهاء الصراعات الطائفية وبناء دولة المواطنة. وهكذا، يقدم بشارة رؤية نقدية تتجاوز كلاً من التبني الأعمى للنموذج الغربي والرفض الكامل للعلمانية، نحو تأصيل سياقي ينطلق من خصوصية المجتمعات العربية مع الاستفادة من المبدأ الأساسي للحياد.

فصل السلطات: نتيجة حتمية لصيرورة العلمنة

لم يتناول عزمي بشارة “فصل السلطات” كآلية تقنية أو دستورية بمفردها، بل أدرجه ضمن رؤيته الكبرى لتطور الدولة الحديثة. فبالنسبة له، فصل السلطات ليس مجرد ترتيب إداري، بل هو نتاج حتمي لصيرورة العلمنة وتشكل الدولة ذات السيادة. ويمكن تلخيص رؤيته في النقاط التالية:

العلمنة كشرط أساسي: يرى أن العلمنة ليست مجرد فصل الدين عن الدولة، بل هي “صيرورة تمايز”، وهذا يعني أن الدولة تصبح المرجعية العليا، وهو ما يستلزم منطقياً وجود سلطات مستقلة تحقق هذا التفوق.

فصل السلطات كنتيجة طبيعية: مع تحول الدولة إلى كيان “مختلف بنيويًا عن أنماط السلطات السابقة”، والتي تستمد شرعيتها من “العقد الاجتماعي وإرادة المواطنين”، يصبح الفصل بين السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) ضرورة لتنظيم هذه الإرادة ومنع تركزها.

الدولة هي الإطار: شدد على أن فهم “فكرة الدولة” هو المدخل لفهم العلمانية، فارتباطهما عضوي؛ فالعلمانية تحدد طبيعة الدولة، والدولة الحديثة تتطلب “سيادة على أرض وشعب”، وهو ما لا يتحقق دون مؤسسات فاصلة للسلطات.

البروتستانتية كنموذج تاريخي: أشار إلى أن تفكك سلطة الكنيسة وتأسيس كنائس وطنية مهد الطريق لتركيز سلطة الدولة، مما أوجد الحاجة لفصل السلطات كآلية لتنظيم هذه السلطة المركزية الجديدة ومنع استبدادها.

رؤية نقدية وليست مثالية: يرى أن فصل السلطات ليس حلاً جاهزاً، بل هو نتاج سياقات تاريخية، ومن ثم فهو يحتاج إلى تطويع في السياقات العربية المختلفة.

الخلاصة: كيف يصحح هذا الفهم مسار بناء الدولة؟

يكمن جوهر مشروع بشارة في إعادة تعريف العلمانية كإطار حيادي للدولة، وهذا الفهم يصحح مسار بناء الدولة الحديثة في السياق العربي من خلال:

أولاً: تحرير مفهوم العلمانية من الارتباط بالإلحاد والعداء للدين، مما يفتح المجال لنقاش موضوعي حول دور الدين في السياسة دون شحن عاطفي.

ثانياً: التركيز على “حياد الدولة” بدلاً من “علمنة المجتمع”، ما يسمح للمجتمعات المحافظة دينياً بقبول دولة مدنية تحترم تنوعها الديني والمذهبي.

ثالثاً: تقديم الدولة العلمانية كضامن للتعايش في مجتمعات متعددة الطوائف، ما يجعلها حلاً للأزمات الطائفية وليس مصدراً لها.

رابعاً: ربط فصل السلطات بالصيرورة التاريخية للعلمنة، ما يجعله مطلباً عضوياً لتطور الدولة وليس استيراداً مفروضاً من الخارج.

خامساً: الدعوة إلى نقل مبدأ حياد الدولة وتطويعه للسياق العربي، بدلاً من استيراد النموذج الغربي كحل جاهز، مما يحقق التوازن بين الاستفادة من التجارب العالمية والاحترام للخصوصية الثقافية والتاريخية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني