
تغيّر… استفزني صباح اليوم.. أثرته بكلماتي: أنتم الرجال أنانيون.
– ماذا…؟ قالها محتداً
لديكم ذكورية طاغية، وحبّ امتلاك… خرج وصفق الباب دون أن ينتظرني…
متوترة صعدتُ إلى الحافلة وأنا أفكر بما حصل، جلستُ جانب امرأة في أوائل العقد الثالث من العمر، تحمل رضيعاً مصفرّ الوجه، ينقّ كضفدع الغدير، خاطبَتْه: خلدون.. حبيبي.. مهلاً سنصل قريباً. سألتها: ما به؟
– مريض، وذاهبة إلى سلفي الدكتور عمر
– عمر مَنْ؟
– عمر الفوّاز، عيادته وسط المدينة.
هزّني الاسم، توجّستُ… ومَنْ زوجك؟
حسّان الفوّاز، تاجر أقمشة.
صُعِقتُ.. كدت أفقد اتزاني.. أيعقل ما أسمع؟ أتكون هذه المرأة ضرّتي دونما أعلم.. تمالكت نفسي… وأين محلّه؟
– في شارع المحطة، مقابل جامع الغفاري، لديه أقمشة فاخرة ومتنوعة، زوريه.. ستعجبك بضاعته، وأرتني صورة الواجهة.
تغشّت عيناي.. وكاد يُغمى عليّ.. تماسكتُ.. ألقيت رأسي على مسند المقعد، وجاش خيالي يعيد الأيام، وكيف كان يذلّل المستحيل ليتقرّب مني منذ لقائنا الأول في المعهد، ونشوة الحب تعلو محيّاه عندما اعترفتُ له بخفق قلبي، والمشاوير، والرحلات، وحفلة التخرج، وافتتاح معرضه.. ورفضُ والدي له في البداية، وأيام الخطوبة، وحفل الزواج، وسعادتنا بثمرة حبنا الوحيدة… نكزني سؤالها: ما بك سيدتي؟ علامَ اصفرّ وجهك؟ بمَ أساعدك؟
فتحتُ عينيّ.. همستُ.. لا عليكِ.. أنا بخير، ولم أكمل… نزلتُ في أول محطة، ورجعت إلى البيت غاضبة أتساءل: هل قصرّت معه أو أهملت واجباتي تجاهه؟
وقفت أمام المرآة، نظرت إلى قوامي ووجهي.. أيراني كبرت فرغب عني؟ أين حبنا والعشرة وابنتنا، أم أنّ رجولته لا تكتمل إلّا بوريث ذكر؟ كيف له أن يفعل ما فعل؟ منذ متى فكر بثانية؟ ولماذا خدعني؟ وهل لنا أن نستمر معاً ؟ وكيف أتقبّل أخرى تشاركني زوجي؟ لا أستطيع… التفتُ إلى صورته المعلقة على الجدار.. صرخت به.. إيّاكَ.. أرفض أيّة واحدة… فهمتَ!.. درتُ في جنبات البيت.. نظرت عبر النافذة.. لم أطق رؤية المارة.. مكثتُ في الصالة أنتظر، وأفكّر…
أبطأ على غير عادته.. ازدادت هواجسي.. أتكون مرّت به وحدثته عما حصل…، وذهب معها فتأخر ليطمئن على ولده.
سمعت صوت المفتاح في الباب، ودلف إلى الصالة.. شاهدني أجلس على الأريكة شاحبة كمن فقدت عزعزاً، تقدّم منّي.. حبيبتي.. ما بك؟
– لا شيء.. لماذا تأخرت؟
– كثرة الزبائن أنستني الوقت، هذا كل ما في الأمر
– زبائن أم زبونة؟! قلها يا عزيزي
– ما تقصدين؟
– أعني، هل أنا حقاً حبيبتك الوحيدة أم كنت الأولى؟ وابتسمتُ ابتسامة باهتة حملت عتاباً وتساؤلاً.
– وهل هناك غيرك؟
– نعم، أمّ خلدون
– مَنْ ؟!
– نسيتها ؟! اليوم التقيتها مصادفة وهي ذاهبة إلى عيادة أخيك الدكتور عمر، ألم تخبرك؟
بُهت.. أُسْقِطَ في برزخ… قال: “هذا ما كنت أخشاه قد وقع”. ركع أمامي.. وضعت سبابتي على فمه.. هل تعلم أنك متزوج ولك حفيد أم…؟
– لم أكذب، وقبلتْ.. هوّني الأمر.. الشرع أحلّ…
– لا تكمل – قاطعتُه – أعرف… لستَ الذكر الوحيد الذي يفعل ذلك؛ لكني ما فكرت يوماً أن تتناسى المحبة والألفة و… من أجل وريث…
– ألم أعرض عليك أن نفترق بسلام بعد ذلك الحمل والعملية إيّاها؟
– إذن بحثتَ عمّن تنجب لك ذكراً؟
– نعم، فسعاد أنثى، ولا تحمل اسم أبيها، أليس كذلك؟
– أتذكرُ كيف شمختَ كالديك المزهّر يوم افتتاح مكتبها “المهندسة سعاد حسّان الفوّاز”؟
– يومها كانت ذكوريتك في سبات.. فمَنْ أيقظها.. العشيرة أم شباب أمّ خلدون؟
– هوّنيها.. ما قصّرتُ في حقك يوماً؟
– لكنك خدعتني.. طعنتني بخنجر أنانيتك
– قلها.. كفى.. لا تجادلي، تقبلي الواقع
– يا عزيزي بيننا عقد شراكة مقدسة عن رضاً منك وقبول مني، أليس كذلك؟
– وكما لا ترضى كذكر شريكاً.. فأنا فرس حرّة، والحرّة كرامتها لا تقبل شريكة.
– لا تتسرعي.. أترضين أن يعيش هذا الصغير بلا أب؟
– فكّرت.. نعم… منذ سنة وأكثر شعرت بالأمر.. لم أصدق نفسي.. اليوم تأكدت.. لقد انتهى ما بيننا، وانهار ما بنيناه معاً، وتذكّر أنك بيدك هدمته.
نهضتُ.. تنظّرته بازدراء.. تناولتُ حقيبتي وهممتُ بالمغادرة.. استوقفني.. اغفري… أنا أولى…