
من دولة الرعايا إلى جمهورية الشراكة
إن أكبر أزمة تواجه سوريا اليوم ليست فقط أزمة اقتصاد أو إدارة أو أمن، بل أزمة ثقة عميقة بين الدولة والمجتمع. وهذه الثقة لا تُستعاد بالخطب، ولا بالوعود، بل بطريقة حكم مختلفة يشعر فيها الناس أن الدولة تنظر إليهم بوصفهم مواطنين، لا مجرد سكان ينبغي ضبطهم أو احتواؤهم.
على مدى عقود، اعتاد السوريون على دولة تطلب الطاعة وتفضل الغموض على المكاشفة، وتتعامل مع المجال العام كأنه ملكية مغلقة لا يحق للمجتمع أن يسأل عنها. لكن أي دولة تريد اليوم أن تبدأ مساراً جديداً لا يمكنها أن تفعل ذلك بالعقلية نفسها. فالمواطن الذي لا يعرف كيف تُدار موارده، وكيف تُتخذ القرارات التي تؤثر في حياته، لن يشعر بالانتماء إلى مشروع عام، بل سيبقى في موقع المتلقي والمرتَاب.
من هنا تصبح الشفافية أكثر من مجرد قيمة أخلاقية إنها شرط سياسي لبناء الثقة. ليس المطلوب أن تقول الدولة كل شيء بل أن تكف عن إدارة الناس عبر الإبهام. أن تنشر ما يمكن نشره، وأن تشرح ما يجب شرحه، وأن تعترف بالأخطاء حين تقع. فالوضوح لا يضعف الدولة كما يُظن أحياناً، بل يمنحها شرعية لا يمكن أن تنتجها أدوات السيطرة وحدها.
لكن الشفافية، على أهميتها، لا تكفي. فالسوريون لا يريدون فقط أن يعرفوا ما يجري، بل أن يكون لهم دور فعلي في تقرير ما يجب أن يجري. وهذا هو جوهر المشاركة. المشاركة ليست زينة مؤسساتية، ولا مجرد تمثيل شكلي بل شعور الناس أن أصواتهم يمكن أن تؤثر فعلاً في القرارات التي تمس حياتهم اليومية من الخدمات والإدارة المحلية إلى أولويات التنمية وتوزيع الموارد.
ولهذا لا يمكن النظر إلى التوترات التي تظهر في بعض المناطق السورية، سواء في الجنوب أو الساحل أو غيرهما على أنها مجرد مسائل أمنية منفصلة عن السياسة. ففي كثير من الأحيان، تكون هذه التوترات تعبيراً عن انسداد قنوات المشاركة وعن شعور متراكم بأن القرارات تُصنع بعيداً عن الناس، وأن الإدارة لا تسمع إلا بعد أن يرتفع الصوت بطريقة مكلفة للجميع. وحين تغيب السياسة بمعناها التشاركي، تعود التوترات لتملأ الفراغ.
في هذا السياق، لا تبدو الإدارة المحلية ترفاً إدارياً، بل ضرورة وطنية. ليس المقصود بها تفكيك الدولة، بل العكس تقويتها من خلال تقريب القرار من الناس وإعطاء المجتمعات المحلية دوراً أكبر في تنظيم شؤونها ضمن إطار وطني موحد. فالدولة التي تخاف من توزيع المسؤولية هي في العادة دولة لا تثق بنفسها ولا يثق بها الناس.
وتظهر حساسية هذه المسألة بوضوح حين يتعلق الأمر بإدارة التنوع. فالجدل الذي دار حول قرار حصر تراخيص محلات بيع المشروبات الروحية في مناطق معينة في دمشق لم يكن خلافاً تقنياً على إجراء إداري محدود، بل كشف عن قلق أعمق لدى كثيرين من أن تتحول القوانين إلى رسائل إقصاء مبطنة، حتى لو قُدمت بصيغة تنظيمية. وفي المجتمعات الخارجة من العنف، لا تُقاس القرارات فقط بنصها، بل أيضاً بما توحي به وبالرسائل التي تبعثها إلى الناس بشأن مكانهم في المجال العام.
لهذا السبب، لا يكفي أن تكون القوانين واضحة؛ يجب أيضاً أن تكون عادلة في نظر الناس، ومطمئنة لهم وقابلة للفهم بوصفها قوانين تنظم العيش المشترك لا أدوات لترجيح نمط اجتماعي على آخر. فالمواطنة لا تُختبر في الشعارات الكبرى فقط، بل في التفاصيل التي يشعر من خلالها الأفراد والجماعات أن حقوقهم وحرياتهم لا تخضع للمزاج أو الانتقائية.
ثم يأتي القانون بمعناه الأوسع ليس كمواد مكتوبة فقط بل كقاعدة فعلية تنطبق على الجميع. فلا يمكن الحديث عن ثقة عامة في ظل شعور مستمر بأن بعض الناس محميون أكثر من غيرهم أو أن الكفاءة ليست معياراً حقيقياً في الوصول إلى الفرص. العدالة ليست فكرة تجريدية بالنسبة للمواطن إنها خبرته اليومية مع المؤسسات، ومع القضاء، ومع الإدارة، ومع الطريقة التي يُعامل بها مقارنة بغيره.
أما التعليم، فهو المسار الأطول والأهم. لأن سوريا لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء الحجر، بل إلى إعادة بناء العلاقة بين الفرد والمجال العام. وهذا يبدأ من مدرسة تعلم الطفل أن يسأل، وأن يفكر، وأن يفهم أن الاختلاف ليس تهديداً، وأن القانون ليس أداة خوف، وأن الدولة ليست جهة بعيدة وغامضة، بل إطار مشترك يمكن المشاركة في تشكيله ومحاسبته.
ما تحتاجه سوريا اليوم ليس فقط دولة قوية، بل دولة مفهومة وعادلة. دولة لا تطلب من الناس الثقة بوصفها واجباً، بل تكسبها من خلال السلوك. دولة لا تعتبر المشاركة عبئاً، بل مصدراً للاستقرار. ودولة تدرك أن المواطن ليس تابعاً يُدار من فوق، بل شريك لا يمكن بناء المستقبل من دونه.
فالانتقال من دولة الرعايا إلى دولة المواطنين ليس تغييراً لغوياً بل تحولاً في معنى الحكم نفسه. وهذا التحول لن يحدث دفعة واحدة، لكنه يبدأ من سؤال بسيط وحاسم هل تريد الدولة مجتمعاً يطيعها أم مجتمعاً يشارك في بنائها؟